تحالف أم حرب باردة مع روسيا؟

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي باراك أوباما يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين - (أرشيفية)

ستيفن كوهين، وكاترينا هيوفل — (ميدل إيست أونلاين) 2 / 12 / 2015

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في أوقات الأزمات التاريخية، يترتب على القادة العظام غالباً أن يتساموا على سيرهم الذاتية الخاصة، كما فعل فردريك دوايت روزفيلت وليندون جونسون، وكما فعل رونالد ريغان وميخائيل غورباتشيوف قبل 30 عاماً.
  *   *   *
يواجه صانعو السياسة الحاليون والمستقبليون في أميركا، الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء، اتخاذ قرار مصيري يتعلق بشأن 130 شخصاً قتلوا في باريس يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، و224 روسياً قتلوا على متن الطائرة التي أسقطت فوق سيناء يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي: ما إذا كانوا سينضمون إلى موسكو في ائتلاف عسكري وسياسي ودبلوماسي واقتصادي ضد الدولة الإسلامية "داعش" وغيرها من الحركات الإرهابية، خاصة في سورية ومن حولها، أو المضي قدماً في معاملة "روسيا بوتين" كعدو وشريك غير جدير.
إذا كان الهدف هو الدفاع عن الأمن الأميركي والدولي والحياة الإنسانية، فليس هناك بديل من القبول بهذا الائتلاف. فمجموعة "داعش" وزملاؤها الأقل تطرفاً "باعتدال" فقط، هم الشيء الأكثر خطورة وتهديداً خبيثاً في العالم اليوم، بعد أن ذبحوا أو استعبدوا عدداً يرتفع باطراد من الأبرياء من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، (وهل ننسى بوسطن؟)، وأعلنوا الحرب راهناً على الغرب برمته.
لم يعد الإرهابيون الدوليون اليوم مجرد "لاعبين من غير الدول". فتنظيم "داعش" وحده يشكل دولة ناجمة تسيطر على أراض شاسعة وقوات مقاتلة مرعبة، وموازنة وفيرة. وبوجود أيديولوجية تنظيمية، لديه مبعوثون مكرسون للإرهاب في بلدان أكثر مما نعرف، ولديه قدرة واضحة على تجنيد مواطنين جدد من البلدان الأخرى. كما أن التهديد المباشر ليس مقصوراً على مناطق معينة من العالم. فأزمة اللجوء في أوروبا، كمثال واضح أمام أعيننا، تبلي أسس الاتحاد الأوروبي وكذلك أسس حلف الناتو، وكذلك يفعل الخوف الذي صنعته هجمات باريس منذ 13 تشرين الثاني (نوفمبر).
لا يمكن احتواء هذا التهديد المنتشر أو تقليل أبعاده، ناهيك عن القضاء عليه، من دون روسيا. فخبرة روسيا الطويلة كبلد يضم مسلمين، وقدراتها العسكرية المتطورة ومخابراتها الخاصة، وروابطها السياسية في الشرق الأوسط ومواردها العامة، كلها تعتبر أموراً أساسية. ولأنها فقدت من الأرواح أكثر من أي دولة غربية أخرى بسبب الإرهاب في السنوات الأخيرة، فإن روسيا تطالب –عن استحقاق- بدور قيادي في الائتلاف الضروري. وإذا أنكر عليها ذلك الدور، فإن تحالفها مع إيران والصين والدعم السياسي النامي لها في أمكنة أخرى من العالم سيؤكد هذا الدور، كما ظهر في شن روسيا حربها الجوية في سورية، حيث لا تلقى تقنياتها المتطورة وفعاليتها ضد قوات الإرهاب التغطية الكافية من جانب الإعلام الأميركي.
لقد اتخذت فرنسا والكثير من أوروبا قرارهم المشاركة في الحرب على "داعش" بسرعة. فبعد التطورات المأساوية في 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، دعا الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى تشكيل "ائتلاف كبير" ضد الدولة الإسلامية بحيث يضم بشكل محدد روسيا. والأكثر من ذلك أن نداءه غير المسبوق يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى الاتحاد الأوروبي -وليس للناتو بقيادة الولايات المتحدة- من أجل تفعيل حكم "المساعدة المتبادلة" الخاص بالاتحاد، لقي موافقة بالإجماع، ما يعني مصادقة ضمنية على ائتلافه المقترح مع روسيا. ومن ثم غادر هولاند، المتوثب لقيادة أوروبا، للاجتماع مع الرئيس أوباما والرئيس الروسي بوتين.
في الأثناء، كان هناك صدى لدى القليل من الشخصيات الأميركية ذات البصيرة الواضحة في عموم الطيف لدعوة هولاند لعقد ائتلاف مع روسيا وكان من بينهم وزير الدفاع السابق تشاك هاغل، وعضو الكونغرس الجمهورية دانا روهراباشر، والأهم المرشح الرئاسي الديمقراطي السناتور بيرني ساندرز.
مع ذلك، تبنت مؤسسة الإعلام السياسي الأميركية بشكل واسع -وعلى نحو حاسم، إدارة أوباما والكونغرس- الموقف التحريضي قصير النظر لصحيفة "واشنطن بوست" والذي يقول "إن الإئتلاف مع روسيا سيكون خطوة خطيرة بالنسبة للولايات المتحدة". وكان موقف كتاب الأعمدة والمراسلين في الصحيفتين البارزتين في مؤسسة السياسة، "النيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، مشابهاً، حيث أنهما كما تقول روهراباشر "تستمران في تشويه سمعة الروس وكأنهم ما يزالون الاتحاد السوفياتي، واعتبار بوتين، وليس الإرهابيين الإسلاميين، أكثر أعدائنا شراً".
إن تقليل نخبتنا السياسية من شأن الأمن القومي الأميركي إنما يجيء نتيجة للحرب الأميركية الروسية الجديدة الجارية راهناً -على الأقل منذ نجوم الأزمة الأوكرانية قبل عامين. وقد طالبنا مراراً وتكراراً بأن يتحمل صانعو السياسة في واشنطن قدراً أكثر من حصتهم من المسؤولية عن هذا التطور الخطير كثيراً وغير الضروري. وليس هذا الوقت مناسباً لإعادة ذكر تلك الحجج، وإنما يجب بدلاً من ذلك إعادة التفكير في المواقف السياسية تجاه روسيا بوتين "المارقة" من أجل الانضمام إلى موسكو في الائتلاف الذي يقترحه هولاند.
هناك إشارات قليلة إلى حد مقلق عن إعادة التفكير هذه، حتى بعد باريس. ومثل معظم الرؤساء الأميركيين الجمهوريين المستقبليين، تستمر هيلاري كلينتون في التحدث بشكل ساخرعن قيادة بوتين، مصرة على أنه "يجعل الأشياء في الحقيقة أكثر سوءا". وحتى لو لم تكن تريد حرباً مع روسيا، فإنها تستمر أيضاً في الدعوة إلى "فرض" منطقة حظر للطيران فوق سورية، ما يعني مهاجمة الطائرات الحربية الروسية التي تطير هناك يومياً. ويوافق ستروب تالبوت وجون بولتون اللذان يقال أنهما يطمحان في شغل منصب وزير الخارجية في الإدارة الديمقراطية أو الجمهورية المقبلة، على التوالي (على نحو لا يلقى الدحض كالعادة في صحيفة التايمز) على أن روسيا بوتين هي  "جزء من المشكلة". وفي الحقيقة، نادراً ما تخلت باريس عن شيطنة حقبة الحرب الباردة للرئيس الروسي؛ كما أن كلينتون عمدت قبل بضعة أشهر، هي وكاتب مقالات في "وول ستريت جورنال"، إلى المساواة بين
 بوتين وهتلر.
بالإضافة إلى رهاب الخوف المستمر من بوتين (وربما الرهاب من روسيا)، ثمة عوامل منذرة أخرى ما تزال قيد العمل منذ 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. فيوم 22 من الشهر نفسه، دمر أوكرانيون من اليمين المتطرف مصدر الكهرباء في القرم، وصعدوا بشكل حاد الصراع بين موسكو وكييف. وبعد يومين، أسقطت تركيا، الدولة العضو في الناتو، طائرة حربية روسية في ظروف ما تزال غامضة. وكان الجهاديون الذين ينتظرون على الأرض يطلقون رصاص رشاشاتهم على الطيار أثناء هبوطه بالمظلة فوق الأراضي السورية. وسواء كان هذان التطوران قد حدثا صدفة أو كانا من باب الاستفزاز لمنع حدوث أي تقارب غربي مع روسيا، فإنهما يشهدان كلاهما على الحرب الباردة الجديدة التي امتدت من أوكرانيا إلى أوروبا -وراهناً إلى سورية وتركيا- وتنطوي على خطر نشوب حرب فعلية بين القوتين النوويتين.
 في ظل هذه الظروف الخطيرة، يستطيع الرئيس الأميركي فقط توفير قيادة حاسمة. وعلى مدار السنوات، تعامل أوباما مع بوتين وتحدث عنه بطرق لا تفيد البيت الأبيض –والتي تعتبر غير مفيدة للأمن القومي الأميركي أيضاً. ثم فعل الشيء نفسه مرة أخرى بعد باريس. ومن جهته، قال بوتين لهولاند: "نحن مستعدون للتعاون مع الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة". لكن أوباما الذي أيد إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية بطريقة غير قابلة للتفسير، استخدم المؤتمر الصحفي مع الرئيس الفرنسي للإقلال من شأن بوتين مرة أخرى، فضلاً عن الإقلال من أهمية المساهمات الروسية. وقال: "لقد شكلنا ائتلافا عالمياً منظماً. وروسيا هي الطرف الناشز"، مضيفاً باختصار أنه ربما يُسمح لموسكو بالمشاركة، وإنما فقط وفقاً للشروط الأميركية.
تدعو تلك الشروط إلى إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد في أسرع وقت ممكن بدلاً من التقيد بالخطة متعددة الجنسيات لإحداث انتقال سياسي تطوري في دمشق. وعلى العكس من بوتين والعديد من المراقبين الآخرين، لم يتعلم أوباما (ووزيرة الخارجية في حينه، هيلاري كلينتون) الدرس الحقيقي من تجربة ليبيا، التي ليست "بنغازي" وحدها. لقد كان قرار العام 2011 بالإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي ثم اغتياله، هو الذي حول ليبيا إلى دولة مليئة بالإرهابيين وجعلها الآن قاعدة رئيسية لمجموعة "الدولة الإسلامية". وقد ينطوي فرض "تغيير نظام" في دمشق على نفس التداعيات، بينما يتم نسف الجيش السوري الذي يعتبر راهناً "القوات البرية الوحيدة على الأرض" التي تقاتل "داعش". (كما يقر بوتين صراحة، فإن الطائرات الحربية الروسية تسعى إلى حماية وتعزيز جيش الأسد وليس أعداء الأسد المشكوك في "اعتدالهم" على الأرض).
*ستيفن كوهين: أستاذ فخري للدراسات والسياسة الروسية في جامعة نيويورك وفي جامعة برينستون. كاترينا فاندن هيوفل: هي محرر وناشر
 مجلة "ذا نيشن".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Coalition or old War with Russia?

التعليق