محمد أبو رمان

رقعة الشطرنج: اللاعبون والأحجار!

تم نشره في الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:08 صباحاً

ما يزال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحت وقع صدمة إسقاط تركيا طائرة السوخوي. ومن شاهد خطابه أمام مجلس الدوما قبل أيام حول تلك الواقعة، يشعر بحجم التوتر والغضب اللذين يسيطران عليه وهو يردد كلمة "الله"، مستهزئاً بالقيادة التركية مرتين!
هو يشعر بجرح في كبريائه، ويريد الانتقام. لذلك، صعّد في خطواته غداة إسقاط الطائرة، إلى ما يطلق عليه في الأدبيات الاستراتيجية "سياسة حافّة الهاوية" مع الأتراك؛ فعزز سلاح الطيران الروسي فوق سورية بطائرات مقاتلة متطورة جداً، ونشر صوارخ "أس-400"، ووسع الانتشار البحري قرب السواحل التركية، بطراد صاروخي متطور جداً أيضا. وجميعها تصرفات تحمل قدراً كبيراً من الاستفزاز العسكري والتحدّي للأتراك. وعلى الأغلب، لن يستطيع النوم حتى يردّ "الصفعة التركية"!
في الأثناء، تشي أيضا الأزمة المتدحرجة بين تركيا من جهة، والعراق وإيران من جهةٍ أخرى، بأنّنا أمام تشكّل تحالف دولي-إقليمي (روسيا، إيران، العراق، ومن ورائهم الصين) يأخذ أبعاداً استراتيجية أكثر قوة وصلابة من المرحلة السابقة، ويتشدد في شروطه السياسية أكثر فيما يتعلق بالأزمة السورية، التي تمثّل رقعة الشطرنج المهمة في المشهد الإقليمي اليوم.
على الطرف الآخر، وبالرغم من الموقف المبدئي لحلف "الناتو" تجاه تركيا بوصفها عضواً فيه، وبالرغم، كذلك، من التصريحات الأميركية الدافئة تجاه أنقرة، إلاّ أنّ العلاقات ليست تماماً "سمناً على عسل" بين تركيا وحلفائها الغربيين، وهناك شقوق وخلافات وهشاشة في دعم الموقف التركي في مواجهة عمليات الحصار الإقليمي الراهنة.
صحيح أنّ وجود تركيا في "الناتو" يعطيها حصانة وضمانة أولية من استهداف مباشر، لكن سياسة "حافة الهاوية" التي استحضرها بوتين (من مرحلة الحرب الباردة) تمثّل ورقة ضغط شديدة على الأتراك، وتضعهم أمام خيارات حساسة ودقيقة.
بالرغم من ذلك، فما يزال في يد تركيا وحلفائها العرب (السعودية وقطر) حركة خطيرة، قد تقلب المعادلة بصورة كبيرة، فيما إذا أخذ الروس السياسة الحالية إلى أقصى مدى، وزاد التوتر مع طهران وبغداد. وتتمثل هذه الحركة في فتح أبواب السلاح والذخائر بأنواعه المختلفة لقوات المعارضة السورية، ما قد يؤدي إلى توريط الروس في مستنقع حقيقي في سورية.
بالضرورة، مثل هذه الخطوات تعني تحولاً جديداً في اللعبة، بخاصة مع الاتهامات التي توجّه لتركيا فيما يتعلّق بداعش، وتحتاج للمضي في هذا المجال إلى "ضوء أخضر" أميركي أو على الأقل سياسة "غض البصر"؛ وهذا الاحتمال سيكون مطروحاً بقوة في حال فشلت الجولات المقبلة من محادثات نيويورك (استكمالا لمباحثات فيينا)، مع بروز تشدد إيراني واضح في الأيام الماضية بما يتعلّق بمصير الأسد!
ماذا عن الموقف الغربي؟ ثمّة انقسام غير معلن، وقراءات متباينة لدى الحكومات الغربية، بل في بعض الأحيان في أوساط الحكومة نفسها. ففرنسا بعد هجمات باريس مختلفة في أولوياتها واهتماماتها، وقد تقرأ تصريحين للرئيس أولاند في أقل من أسبوع يعطيان مؤشرات متضاربة. والحال نفسها بشأن البريطانيين. فيما هناك دول حسمت مواقفها بالتركيز على "داعش" وعدم الاكتراث بموضوع الأسد.
الإدارة الأميركية ما تزال تراوغ في مساحة محدودة، بين اعتبارات دبلوماسية تتحدث صراحة عن ضرورة رحيل الأسد، ومواقف أخرى تحت الطاولة تدفع للوصول إلى صفقة مع الروس وتدوير الزوايا الحادة في مواقف السعودية وتركيا من هذا الملف.
ما تزال أحجار مهمة على رقعة الشطرنج السورية لدى اللاعبين لم تتحرّك بعد، وقد يتطوّر جندي عادي إلى مرتبة الوزير، إذا وصل مع مرور الوقت إلى خطّ التماس التالي لدى الخصم، وقد تؤدي حركة مفاجئة إلى موت الشاه لدى أحد الطرفين، وإنهاء الأزمة!

التعليق