كيف يمكن أن تستثمر أوروبا فرصة المهاجرين؟

تم نشره في الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • أطفال من أبناء المهاجرين إلى أوروبا - (أرشيفية)

إيمو بونينو*

روما- ما كان ينبغي لما يسمى أزمة اللاجئين في أوروبا أن تتحول إلى حالة طوارئ على الإطلاق. ولا يجب أن يشكل استيعاب مليون شخص من طالبي اللجوء تحدياً كبيراً للاتحاد الأوروبي -المساحة التي يعيش عليها أكثر من 500 مليون مواطن، والتي ترحب بأكثر من ثلاثة ملايين مهاجر في كل عام. ولكن من المؤسف أن الافتقار إلى الاستجابة المنسقة تسبب في تحويل مشكلة يمكن التحكم فيها وإدارتها إلى أزمة سياسية حادة، وهي الأزمة التي حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -محقة- من قدرتها على تدمير الاتحاد الأوروبي.
في واقع الأمر، يبدو أن أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي تركز بأنانية على مصالحها الخاصة. ويعمل هذا الاتجاه على تأليبها ضد بعضها بعضا، ويستحث حالة من الذعر، وهو ما من شأنه أن يعرض اللاجئين لقدر أعظم من المخاطر. ومن الواضح أن من شأن وضع خطة شاملة ذكية أن يهدئ المخاوف التي تسود المنطقة. لكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن أوروبا فضلت البحث عن كبش فداء، وكانت اليونان هي أحدث البلدان التي تم استهدافها باللوم.
تم اتهام اليونان بعدم بذل القدر الكافي من الجهد لمعالجة موضوع اللاجئين واستيعابهم. ولكن من غير المعقول، حتى لو لم تكن اليونان مشلولة أصلاً بفِعل الأزمة الاقتصادية، أن ننتظر من دولة صغيرة منفردة أن تتحمل العبء وحدها، وخاصة في عام حيث من المتوقع أن يعبر أراضيها 800 ألف لاجئ. إن ما يحدث هو مشكلة أوروبية وعالمية، وليس مشكلة يونانية وحسب.
هناك من اللوم ما يكفي الجميع. ففي اليونان، توقعت مؤسسات المجتمع المفتوح، بقيادة جورج سوروس، وبالشراكة مع المنطقة الاقتصادية الأوروبية ومؤسسة مِنَح النرويج، طبيعة المشاكل التي قد يخلقها الافتقار إلى سياسة أوروبية جادة في التعامل مع قضية اللجوء. ففي العام 2013، أنشأت هذه الشراكة منظمة "التضامن الآن"، التي تديرها مجموعة من صفوة المجتمع المدني اليوناني. وتحتاج منظمة التضامن الآن إلى 62 مليون يورو (67 مليون دولار أميركي) فقط حتى تتكفل برعاية خمسة عشر ألفاً من أصل خمسين ألف لاجئ يحتاجون إلى تسكينهم في اليونان في العام المقبل. ولكن، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي وَعَد بإنفاق نحو 500 مليون يورو لمساعدة اليونان في إدارة الأزمة، فقد تقاعست بعض الدول الأعضاء عن دفع حصتها.
بالإضافة إلى دعم اليونان، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إقرار خطة شاملة لإدارة وصول طالبي اللجوء بطريقة آمنة ومنظمة. وهذا يعني العمل خارج حدود أوروبا. ومن منظور المانحين، سوف يكون الحفاظ على طالبي اللجوء قريبين من مواقعهم الحالية أقل إرباكاً وأقل تكلفة بالنسبة لأوروبا.
بادئ ذي بدء، ينبغي أن يلتزم الاتحاد الأوروبي أن باستيعاب ما لا يقل عن 500 ألف من طالبي اللجوء سنوياً، في حين يعمل على إقناع بقية العالم بقبول عدد مماثل. ولا بد أن يساعد التزام عام باستيعاب هذا الحجم من اللاجئين في تهدئة التدافع غير المنضبط إلى أوروبا. ومن الممكن التقليل من تدافع طالبي اللجوء، من خلال تزويدهم بوضع واضح ووعود بالسلامة لدى الانتظار في تركيا وغيرها من دول خط المواجهة، بدلاً من المخاطرة بعبور البحر الأبيض المتوسط في رحلة بالغة الخطورة.
ثانياً، لا بد من إنشاء بوابات رسمية، في تركيا أولاً، ثم في لبنان، والأردن، وتونس، والمغرب، على أن تعمل بلدان البوابات، بالتعاون الوثيق مع وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والاتحاد الأوروبي، على إنشاء مراكز تجهيز لتسجيل طالبي اللجوء وتقييم طلباتهم. ثم يتم وضع طالبي اللجوء المقبولين على قائمة انتظار ومطالبتهم بالبقاء في بلد البوابة إلى أن تقبلهم دولة في الاتحاد الأوروبي. ومن شأن عملية آمنة ومدروسة لفحص اللاجئين أن تعمل على تهدئة المخاوف الأمنية في أعقاب هجمات باريس الأخيرة.
وينبغي لبلدان البوابات أن تعمل على تحسين معايير الاستقبال واللجوء والدمج. وفي المقابل، ينبغي مساعدة هذه البلدان مالياً وتزويدها بحوافز أخرى -على سبيل المثال، تسهيل دخول مواطنيها إلى الاتحاد الأوروبي. ولا بد أن يعمل الاتحاد الأوروبي على إنشاء أو توسيع البرامج التي تسمح بدخول غير طالبي اللجوء.
ثالثاً، لا بد من توفير الدعم السياسي والمالي والفني لبلدان خط المواجهة؛ إذ تستضيف تركيا ولبنان والأردن، التي تحملت القسم الأعظم من العبء، أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري. وتقول تركيا إنها أنفقت 7.8 مليارات دولار أميركي لرعاية أكثر من مليوني لاجئ؛ وحتى الآن لم تتلق سوى 415 مليون دولار من آخرين (على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي وَعَد بتقديم 3 مليارات يورو أخرى).
تشير التقديرات إلى أن تقديم الدعم الكامل للاجئين في بلدان الخط الأمامي يتكلف عشرين مليار يورو على الأقل سنوياً. وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يتعهد بما لا يقل عن نصف هذا المبلغ، مع جمع بقية المبلغ من بقية المجتمع الدولي. ولا بد من إنشاء مناطق اقتصادية خاصة تستفيد من وضع الشريك التجاري المفضل مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من أجل توليد الاستثمار، والفرص الاقتصادية، والوظائف للاجئين والسكان المحليين على حد سواء. ومن الأهمية بمكان إنشاء هذه المناطق في بلدان الخط الأمامي وبلدان العبور.
رابعاً، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى سياسة مشتركة حقاً للتعامل مع قضايا اللجوء وحراسة الحدود. ذلك أن الخليط الذي يتألف من أنظمة لجوء منفصلة في البلدان الأعضاء الثمانية والعشرين مكلف وغير فعّال، وهو يفضي إلى نتائج متفاوتة إلى حد كبير من حيث الاستقبال، وتحديد وضع اللاجئ، ودمج الوافدين الجدد. وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعمل على إنشاء حرس أوروبي موحد للحدود ونظام موحد للتعامل مع مسائل اللجوء والهجرة.
خامساً، لا بد أن تكون خطة الاتحاد الأوروبي مصحوبة باستجابة عالمية للأزمة، وبالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي. وسيكون من شأن ذلك أن يعمل على توزيع المسؤولية عن معالجة أزمة اللاجئين على عدد أكبر من الدول، في حين يساعد في تأسيس معايير عالمية للتعامل مع التحدي المتمثل في الهجرة القسرية.
وأخيراً، يستطيع الاتحاد الأوروبي استثمار قدرته الممتازة على الاقتراض لإصدار سندات طويلة الأجل لتمويل الخطة. وسوف يتم تخصيص أعباء خدمة السندات للدول الأعضاء في تناسب عكسي مع عدد طالبي اللجوء الذين تقبلهم كل دولة. وتجني البلدان التي تتمكن بنجاح من دمج اللاجئين ميزة اقتصادية؛ وبالفعل، يشهد الاقتصاد الألماني نمواً أسرع إلى حد كبير كنتيجة لاستعداده لاستقبال اللاجئين السوريين.
الحقيقة أن الظروف التي أفضت إلى الخروج الجماعي الحالي من سورية وغيرها من البلدان التي مزقتها الحرب ظلت تختمر لفترة طويلة، وكان من السهل التنبؤ بها والتحكم فيها بشكل كامل. ومن الواضح أن مروجي الخوف من المناهضين للمهاجرين يستغلون الافتقار إلى الاستجابة المنسقة للترويج لرؤية تتعارض تماماً مع القيم التي أقيم عليها الاتحاد الأوروبي. وإذا تحققت رؤيتهم هذه، فسوف تنتهك القانون الأوروبي؛ وهي تهدد بالفعل بتقسيم وتدمير الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب على وجه التحديد، تتزايد ضرورة دعم الاتحاد الأوروبي لاستراتيجية شاملة لإنهاء الذعر ووقف المعاناة الإنسانية غير الضرورية.

*عملت سابقاً وزيرة للخارجية الإيطالية، ووزيرة للتجارة الدولية، ومفوضة للاتحاد الأوروبي، وهو عضو مؤسس للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق