ماجد توبة

أبناؤنا يغرقون في العالم الافتراضي!

تم نشره في الخميس 17 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:05 صباحاً

يعكف الاتحاد الاوروبي حاليا على التشريع قانونيا لمنع الاطفال تحت سن 16 عاما في دول الاتحاد، من استخدام كافة مواقع التواصل الاجتماعي، بما فيها "تويتر" وفيسبوك" و"انستغرام" و"سناب شات"، وحتى محرك البحث "غوغل"، من دون موافقة مسبقة من قبل الوالدين، وبما يشمل كل دخول من قبل الطفل لهذه المواقع، وذلك بهدف تقليل المخاطر التي يتعرض لها الاطفال في هذه السن المبكرة.
طبعا، توجه الاتحاد الاوروبي هذا، أثار جدلا واسعا، وووجه بانتقادات من قبل شركات تكنولوجيا المعلومات العملاقة، وأغلبها أميركية، فيما تحفظت عليه بعض الجمعيات المدنية باعتباره يحرم الاطفال ما قبل 16 عاما، من حق الوصول الى الشبكة العنكبوتية، والاستفادة مما توفره من معلومات وتعليم.
تفتح هذه القضية والجدل الدائر حولها في اوروبا والولايات المتحدة الباب واسعا اليوم على مناقشة الآثار السلبية، التي أزعم أنها واسعة، لاتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية في الحياة اليومية للبشر، وتحديدا الاطفال والمراهقين، بمن فيهم البشر والاطفال في مجتمعنا الاردني ومجتمعاتنا العربية التي تشهد انتشارا كثيفا للهاتف الذكي، والاستخدام المتعاظم لمواقع التواصل الاجتماعي، وبما لا يقل عن مثيله في الولايات المتحدة وأوروبا.
بل قد تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لمجتمعاتنا العربية، منها لاوروبا، لاعتماد مثل هذا القانون، الذي يحمي المراهقين والاطفال من "الاستخدام الجائر" وغير المضبوط للشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تشير العديد من المعطيات والمؤشرات الى المخاطر النفسية والتربوية والاجتماعية لمثل هذا الاستخدام على حياة الاطفال ودراستهم ونموهم النفسي والعاطفي، ناهيك عن عديد مشاكل اجتماعية وقانونية.
اذا تحدثنا أردنيا، وعن الأطفال تحديدا، فإنه ورغم قلة الدراسات والأبحاث عن الآثار المترتبة على اتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، فإن شكوى عامة تكاد تلمسها لدى أغلب الآباء والأمهات، تجاه إغراق الأطفال والمراهقين، ذكورا واناثا، بالعالم الافتراضي، وانشغال الكثير من الأطفال بهواتفهم الذكية أو بهواتف والديهم، لعدة ساعات في اليوم، الى الدرجة التي يمكن تصنيفها في خانة الإدمان النفسي، التي تقول دراسات علمية حديثة، إنها لا تقل أثرا وخطورة عن أنواع الإدمان الأخرى، بما فيها الادوية والمخدرات والمسكرات، والتي قد تحتاج أحيانا لمداخلات طبية ونفسية لعلاجها.
الحديث مع المعلمين والمعلمات وأرباب الأسر بات يشير إلى تشكل وعي مجتمعي واضح بخطورة ظاهرة الاستخدام الواسع من قبل الأطفال والمراهقين للهواتف الذكية ومواقع التواصل، واتساع حالة الإدمان عليها بين الأطفال في مجتمعنا، ما ينعكس على تراجع المستوى الدراسي للطلاب والطالبات، وتعمق بعض المشاكل النفسية والاجتماعية، من عزلة وانغلاق على الذات في الواقع الحقيقي، ونكوص اجتماعي ونفسي، ناهيك عن الآثار الصحية الجسدية السلبية للاستخدام المكثف والطويل لهذه الأجهزة الخليوية الذكية. 
من ينظر لهذه المشكلة لدى الأطفال من بعيد قد لا يفهم أو يقدر حجم هذه المشكلة وتعقيداتها، إلا أن الآباء والأمهات والمعلمين قد باتوا خبراء في هذه المعاناة، التي يعيشونها يوميا وفي كل ساعة مع أولادهم وطلبتهم، فيما أزعم أن أساليب التربية الدارجة، الحديثة أو المتخلفة، ما تزال قاصرة في الاشتباك الصحيح مع هذه القضية والمشكلة، باتجاه الحد من آثارها السلبية على الأطفال والطلبة، وبما يؤدي إلى ترشيد وضبط استخدام الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
يبدو أن ذات المشكلة التربوية في التعامل مع هذه القضية تواجه أيضا المجتمعات الأوروبية، ما دفع حكوماتها للتوجه لوضع تشريع قانوني يسهم بضبط وترشيد استخدام الأطفال والمراهقين للإنترنت.
أعتقد أن الاردن وباقي الدول العربية تحتاج أيضا لقانون شبيه، يسهم بحماية أبنائنا ومراهقينا من أخطار الغرق بهذا العالم الافتراضي الواسع.

التعليق