الحقيقة.. في مديح الجهل المعرفي (2)

تم نشره في الجمعة 18 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(أ)
سنموتُ قبل أن نفهم!
(ب)
ثلاث مآثر لسقراط: واحدة صغرى، متعلقة بقدرته على نقل أعقد المسائل الفلسفية من الجماجم الفردية والصالونات الأكاديمية والغرف المغلقة، إلى الشارع والناس العاديين، بصفتهم شركاء في الهمّ المعرفي، مما عزّز فكرة إنسانية الفلسفة وتواصليتها المباشرة مع أولئك الناس، أياً كانت توجهاتهم الحياتية.
الأخرى وسطى، متعلقة بمقولته العظيمة: "الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً".
الثالثة كبرى، متعلقة بقدرته على التوليف بين مأثرتيه الصغرى والوسطى؛ فهو إذ يجنح إلى وضع معرفته بإزاء الآخرين، فإنه يعي أن بناء العالَم والدفع قدما بعجلة الحضارة الإنسانية، بحاجةٍ إلى معارف ذواتٍ كثيرة، من شأنها المساهمة في الإعلاء من هذا المعمار الكبير، لذا جعل من معرفته لبنةً من لبنات المعمار الكبير، الذي لا يمكن له أن يكتمل إلا بلبناتِ الآخرين ومساهماتهم المعرفية.
ضمن خطٍ موازٍ، يقول شاعر ألمانيا العظيم غوته: "لن يصل المرء إلى الحقيقة إلا إذا انتحر"؛ في تأكيد ضمني على استحالة حلول المعرفة الكلية في شخص واحد طالما هو خاضع لشرطي الزمن والمكان. فالمعرفة غير متناهية، في حين أن الشرط الحياتي للإنسان شرط متناهٍ، لذا من مواصفات الإنسان السليم دخوله في حِراك حِبِّي مع معارف الآخرين، لغاية إتمام النقص الحاصل في الذات على المستوى المعرفي، بما هو موجود عند الآخرين.وفي النص القرآني: "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" (ق، الآية 22)، دلالة واضحة على استحالة الاكتمال المعرفي عند الإنسان الواحد طالما هو على قيد الحياة. لذا تصير التشاركية مأثرة إنسانية عظيمة على المستوى المعرفي؛ فما نقص عند الفيلسوف يُكمله الموسيقي، وما فاتَ الهندوسي يُكمله البوذي، وما انثلم عند الرجل تسِنّه المرأة، وما احتاجه إنسان العصور الحديثة استعاره من إنسان العصور القديمة، وما عجز عنه الحدّاد يقوم به النجّار... وهلم جرّا.
وفي معرض إجابته عن سؤال بيلاطس البنطي: ما الحقيقة؟ أجاب المسيح: أنا شاهدٌ على الحقيقة! لم يقل أنا الحقيقة بصفته نبياً ويمتلك معارف لدّنية، بل محض شاهد عليها، كما أي إنسان آخر هو شاهد عليها، في تناغم كبيرٍ بين الإنسان في وجوده الفردي، وعلاقته التواصلية والتشاركية مع ذواتٍ إنسانية أخرى.
ثمة سؤال مُلحّ هَهُنا: أينها حدود المعرفة البشرية؟ حقيقةً، لا حدّ لها. لذا من موجبات الاستحقاق المعرفي أن يتواضع الإنسان على المستوى الفردي بإزاء المعرفة الكُلّية، فهي مستحيلة كمّياً، لأنها مناط الإنسان المُطْلَق، اللانهائي، المُفتّت في الزمن والمكان؛ ابتداءً من أول إنسان وُجد في الزمن والمكان وإلى آخر إنسان سيوجد هنا والآن. فما يعرفه إنسان يعيش في موسكو عن الثلوج، سيستعصي على بدوي يعيش في صحراء الربع الخالي. وما يعرفه هنيبعال عن الخطط العسكرية، سيستعصي على كانط المهتم بالقضايا الفلسفية المجرّدة. وما يعرفه الناقد باختين عن أدب دوستويفسكي، سيكون صعباً على مزارع من فلاحي بابل القديمة. واستغراق عالِم البيولوجيا استغراقاً كاملاً بأبحاثه حول الخلايا الجذعية، سيجعله منشغلاً عن آخر نتاجات النقد الأدبي. وتأليف ول ديورانت كتاباً يختصر قصة الفلسفة، لن يمنع بول فيري من تأليف كتاب عن أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. وتجربة بوذا التنويرية تحت الشجرة الشبيهة بشجرة التين، ستختلف يقيناً عن التجربة الروحية للنبي موسى في جبل سيناء. كما أن اعترافات القديس أوغسيطينوس، ستختلف عن اعترافات جان جاك روسو. وتحدّث أزولد أشبنغلر عن تدهور الحضارة الغربية، لن يمنع فرانسيس فوكوياما من الحديث عن نهاية التاريخ إذ يتجّلى تجليه الأكبر في الحضارة الغربية.
لقد تفتّت الإنسان المُطْلَق إلى ذواتٍ لا حصر لها، وبموجب هذا التفتّت تموضعت المعرفة الكُلّية سابقاً -وتتموضع الآن وستتموضع لاحقاً- في كل الذوات الإنسانية.
بدءاً، كان ثمة ذكر وأنثى؛ وكل واحد يحمل رؤيته الخاصة بهذا العالَم. انقدحت شرارة الودّ بينهما، فسطع نور في جسديهما، وبالتقادم شقشقت شمس الحضارة الإنسانية على هذه الأرض.
اليوم، نتحدّث عن عدّة مليارات من بني البشر. من قبل كان ثمة مليارات كثيرة وعديدة من بني البشر أيضاً، والدراسات المستقبلية تتنبأ بازدياد متسارع لعدد سكان الأرض.
كُلّ واحد منهم له اهتماماته الخاصة على المستوى المعرفي، لذا ستكون حماقة كبيرة لأي شخص أن يدّعي امتلاكاً لكل المعارف البشرية من أول الخلق إلى لحظة وجوده في هذا العالَم، لما سينطوي على هذه الحماقة من هلوسات، تقود إلى كوارث جمّة، كنت قد أشرتُ إليها في المقال السابق.
ومثلما تفتّت الإنسان المُطْلَق إلى ذوات كثيرة، كذلك تفتّتت المعرفة الكلية إلى معارف جزئية كثيرة، بحيث أصحبت مستعصية على إنسان واحد حتى لو كان خالداً على طول الزمن. لذا من الأولى أن تندمج معارف المرء مع معارف الآخرين، بطريقة تفضي إلى البناء والإعمار، لا إلى الدمار والخراب على طريقة المهلوسين وأتباع المعارف المُطْلَقة المغلقة.
(ج)
إن الجهل المعرفي ليس نقيصةً في الذات الباحثة بدأبٍ ونشاطٍ كبيرين، عن المعرفة أنّى تواجدت؛ بل هو إشهارٌ لأعظم إنجاز إنساني على هذه الأرض؛ أعني الإنجاز الأخلاقي، بصفته نقصاً معرفياً داخلياً يستشعره المرء دائماً أبداً بإزاء المعرفة الكاملة، لكي يبقى على تواصل رحماني مع معارف الآخرين، لغاية التشارك في إنجاز المعمار الحضاري. ففي النهاية سيبقى ما توصّل إليه الإنسان من معارف ناقصاً، حتى يكتمل بمعارف الآخرين، على أن تكون عملية النقص والاكتمال عملية لا نهائية، لأن أي توقّف لهذه السيرورة هو إيذان بخراب كبير، لن ينتج عنه إلا ذوات مهلوسة ومتعصبة تدعّي امتلاكاً أخيراً للحقيقة مُجسدّة في معارفها المغلقة، وتحاول تعميمها تحت وطأة القضاء على الآخرين ومنجزهم الحضاري.

التعليق