فوضى إقليمية جديدة

تم نشره في السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • مقاتلون يتمركزون داخل أحد الأنفاق في مدينة مرج سلطان السورية -(ا ف ب)

معاريف

ألون بن دافيد

18/12/2015

هذا الأسبوع قبل خمس سنوات وقف بائع متجول في سوق بلدة سيدي بوزيد في تونس، صب على نفسه البنزين وأشعل النار التي أحرقته وسرعان ما انتشرت إلى معظم الشرق الاوسط. وفي هذا الحريق احترقت تماما حتى الآن بضع دول والنار ما تزال تشتعل، تقترب منا ايضا ومن العالم الغربي وتغير وجهه وتغير تاريخ الشرق الأوسط. هذا هو التغيير الإقليمي الأكثر معنى الذي يجري في محيطنا منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية.
على مدى نحو مئة سنة، منذ نهاية الحرب العالمية الاولى، قاد العرب هذه المنطقة، وكانت السعودية ومصر الدولتين المتصدرتين. أما الآن فينهار العالم العربي في داخل نفسه والقيادة تأخذها الدول غير العربية: إيران وتركيا. ومكان الولايات المتحدة كالشرطي الاقليمي تحتله روسيا، وبدلا من النظام القديم الذي انهار لم ينشأ بعد نظام جديد، بل فوضى تتواصل لإحداث تغييرات دراماتيكية.
حتى قبل خمس سنوات لم يشهد العالم العربي ثورات شعبية، وتداول السلطة تم في الغالب في انقلابات قادها ضباط وطغمات عسكرية. وفجأة اصبح الشارع العربي جهة ذات قوة، ولكنها في الغالب عديمة الرأس والفكر. وكان محدثو التغيير نحو مئة مليون شاب عربي ابناء 15 – 25، نحو نصفهم عاطلون عن العمل، وربعهم فقط مع تعليم عال. لقد كانوا وما يزالون هم الذين يصممون المنطقة.
ما الذي أعطى لاولئك الشبان الشجاعة للثورة ومحاولة تغيير مصيرهم؟ البائع المتجول التونسي محمد بوعزيزي كان المرحلة الاولى في رد فعل متسلسل. ولكن ماذا كانت بالضبط نقطة انطلاق الثورات في العالم العربي؟ الكثيرون يشيرون إلى خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة في 2009 كحدث شق الطريق نحو الثورات. فقد دعا أوباما المسلمين للانطلاق إلى بداية جديدة. ولكن بذور الثورة كانت هناك اصلا.
اعتقد أنها بذرت منذ نهاية 2003، عندما ألقى الجنود الاميركيون القبض على الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين على مسافة غير بعيدة من تكريت. فالصور المهينة التي اطلقها الجيش الاميركي – لجنود يسحبون الرئيس السابق من الحفرة التي اختبأ فيها، وبعد ذلك الطبيب العسكري الذي يفحص أسنانه – بدأت موجة الانفجار. لم يفهم الأميركيون معنى الافلام التي نشروها على وسائل الإعلام. فمهما كان مكروها، كان صدام حسين يعتبر في العراق وفي العالم العربي كشبه إله. كان يقتل من يريد دون أن يرف له جفن. كان يقطع الأطراف، كان كلي القدرة. وعرضه المهين عند القبض عليه قلصه دفعة واحدة إلى حجوم إنسانية وأشار إلى العالم العربي بان ليس فقط صدام، بل ومعمر القذافي، حافظ الاسد وحسني مبارك ايضا – كل أولئك ليسوا أربابا بل فقط بشر.
خرج الشباب إلى الشوارع مطالبين بالحرية، وسحر العالم الغربي ومنح الاحداث الاسم الرومانسي "الربيع العربي". "لم يمر وقت طويل إلى أن بدا الربيع كشتاء قاتم، والحرية الجديدة استغلت للانطلاق في حملات قتل وحروب أهلية. سورية، العراق، ليبيا واليمن شطبت حتى الآن من الخريطة، دولة جديدة ولدت – "داعش" – وليس واضحا اليوم ما هي الدولة التالية التي ستنهار.
إسرائيل، على عادتها اعتقدت أنها منقطعة عن هذه الاحداث وأنها ستبقى خلف حدودها. وانها ستبقى كجزيرة استقرار وأمن في بحر من العنف المجنون الذي يجتاح المنطقة. ولكن ليس بعد اليوم. "انتفاضة الأفراد" التي نشهدها تحركها الأجواء الإقليمية اكثر مما يحركها الكفاح الفلسطيني للاستقلال. هي الأخرى يتصدرها شباب ابناء 15 – 25 (67 في المئة من منفذي العمليات) عديمو القيادة أو التنظيم الذي يقف خلفهم.
دون الاستخفاف بالتحريض المستمر في وسائل الإعلام الفلسطينية الرسمية، فإن معظم الفلسطينيين لا يستمدون موقفهم تجاه إسرائيل منها. كأبناء جيلهم الإسرائيليين يستهلكون أساس معلوماتهم في الإنترنت، وحتى لو توقف التحريض في التلفزيون والإذاعة للسلطة الفلسطينية – مشكوك أن يقلص هذا في شيء محاولات القيام بالعمليات.
لقد بدأت أوروبا تفهم بأن ما يحصل في الشرق الأوسط سرعان ما سيصل إلى ساحتها. أما الولايات المتحدة فلم تفهم هذا بعد. وكان ينبغي لنا ان نكون قبلهم بكثير. فصفتنا دولة خُمس سكانها فلسطينيون، تسيطر على 2.5 مليون شخص في الضفة ويحيطها 350 مليون عربي، يجدر بنا أن نبدأ بالتعرف على العالم الذي حولنا. قبل بضع سنوات التقت شخصية إسرائيلية كبيرة في أول لقاء مع اول شخصية موازية لها في السعودية. بدأ السعودي يقول: "قل لي هل انتم واثقون من أنكم تريدون العيش في الشرق الاوسط؟" ففوجئ المواطن الإسرائيلي: "ماذا تعني؟" فأجابه السعودي "انتم تتصرفون وكأنهم تعيشون في فلوريدا. لا تعرفون العربية، لا تعرفون ثقافتنا. لا تتعلموننا. نحن نقرؤكم ونتعلمكم، وأنتم تتصرفون وكأنكم لستم من هنا على الإطلاق".
وقد لمس نقطة دقيقة: معظمنا غير قادرين على أن نجري حديثا مع جار او زميل عربي، لا نطلع على وسائل الإعلام العربية، ونعرف القليل جدا عن ثقافة جيراننا، القريبين والبعيدين. وكمن نرى مستقبلنا ومستقبل ابنائنا في هذه المنطقة، حان الوقت لأن نكف عن التصرف كضيوف لحظيين ونبدأ بالتعرف بجدية على الحارة التي نعيش فيها.
في مجال واحد يبدو أننا بدأنا نستقيم في الخط مع المحيط: خطابنا الجماهيري، وليس فقط في الإنترنت، يتدهور كل شهر إلى مطارح سفلى أكثر. ومثلما في الحارة الشرق أوسطية، عندنا أيضا المتطرف يصبح عاديا ويسيطر على الخطاب وعلى الأغلبية سوية العقل الصامتة. كل خبر إعلامي وكل بوست يحظى بجملة ردود فعل مجنونة، يمكن بسهولة ترجمها إلى العربية.
نحن نطالب وعن حق الفلسطينيين بوقف التحريض في وسائل إعلامهم، ولكننا لا نبذل جهودا لأن ننظر إلى ما يحصل عندنا في البيت. ليس عندهم فقط تشتعل النار، ليس عندهم فقط توجد مشاكل في الآفاق والرغبة في الإسكات والأقصاء لكل من يبدو أنه يفكر بشكل مختلف. عندما يقرؤوننا يبدأون بالشعور بأنهم في البيت.

التعليق