ضحى عبد الخالق

في الحب وفي محبة المال

تم نشره في الخميس 31 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:02 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 31 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:50 مـساءً

يقبع في قلب مبدأ حتميّة الارتقاء والتطور قوّة وثبات أفكار بعينها، أو ضعفها. وفي موضوع ثراء الأمم والشعوب والأفراد، ترتكز بعض نظريّات الثراء على سطوة "الفكرة"، ولتُقدّم الحال الاقتصاديّة كحالة نفسيّة بالدرجة الأولى! بمعنى أنّ بالإمكان السيطرة على الوضع الاقتصادي العام أو عكسه بقوّة إدارة العقل أولا، وبالعمل الشاق ثانيا. وعبر ما يُدعى "قانون الجاذبّية الخاص بالمال والأشخاص"، تصبح نتيجة الفكرة حقيقة واقعة على الأرض بقوّة الاحتفاظ، أي يُصبح من "يُفكّر" بأنه غنيٌ غنيّاّ، ومن "يعتقدُ" أنه فقير فقيرا.
وفي الرواية الدينيّة ما قد يقع على المسمع باعتباره حظا عاثرا في موضوع سعي الأفراد والأمم نحو الثراء، من مثل "مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (إنجيل متى 19). وفي رسالة بولس إلى العبرانيين قيل: "مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ". وقد سعت الجماعة المسلمة بداية نحو نظام اقتصادي قوامه الإنفاق والزكاة وتمويل النظم، وقاومت فكر "الكنز" ورموزه. كما نعلم أن "أكرم النّاس عند الله أتقاهُم" وليس أغناهم. وهي فكرة جمعيّة.
وما بين فكر الثراء والكنز، ورواية الزُهد، تُفيد الدراسات بأن ضريبة الدخل عندنا في الأردن هي الأقل دوليّا، بما لا يزيد على 3 % تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي! وقد مرّت هذه النسبة المُعقّدة بلا نقاش في الأشهر المُنصرمة بعد إعلانها، فقط لكي نقفز إلى نظريّة المؤامرة عقب التشخيص بأن الهدف هو إفقارنا وتجويعنا. وأن الحكومة خلف ما تبقّى من دنانيرنا. وظلت هذه "الحقيقة" العجيبة من دون نقاش مستفيض من قبل نخب الاقتصاد، وأثر ذلك على وضع الثراء العام في الأردن.
الواقع أن لا أحد يُحب الضرائب. ومن الصعب لأحد أن يُروّج لفرضها. لكن واقع الحال هو أنّ كثيراً من الأردنيين لا يدفعون الضريبة و/ أو الزكاة على مداخيلهم، وهذه حقيقة. ما يستدعي نقاشا أوسع وتحليلا أصدق للأسباب الكامنة وراء ذلك.
من بين هذه الأسباب، بالطبع، إجابات حاضرة في تاريخ الدولة الأردنية الراعية، أو في الإدارة وتوزيع الثروة. كما تشير نسب المشاركة المتدنيّة إلى الخلل في آليّات ووتيرة التحصيل من الشريحة ذاتها، أي من دون الحاجة الى إيقاع ضرائب أو استحداث شرائح جديدة. وبتقدير الخبراء، قدّمت حكومة الرئيس د. عبدالله النسور نموذجا متعاطفا، عبر التوسّع المدروس في الإعفاءات الضريبيّة، ما خفّف على الأفراد وعلى قطاعات بعيّنها. لتبقى الخلاصة، إذن، أنّ من بين من يرفض التكليف الضريبيّ على الدخل إما من لا يملك المال وهذا له إعفاء، أو من يحب المال كثيرا، أو من يكره المال والحكومة معا، وهذا شائك.
وفي محور العمل والإنتاجيّة، تفيد الإحصاءات أيضا بأن ثمانية أشخاص يعيلهم شخص واحد في الأردن، وأن من بين هؤلاء من لا يُحب المال كفاية للعمل على جنيه! وأن النساء لا يعملن في الأردن لأسباب وارد منها الحب أيضا، بما يحمل هذا من صعوبات للمكوّن المُنتج في المجتمع.
وفي محور تقييم الأصول، حدّثتني مواطنة أجنبيّة كم أنها تحب الأردن. وبالسؤال عن السبب قالت إنها تشرب عصير البرتقال الطازج في الصباح من صندوق اشترته بالكامل ببضعة دنانير، في الوقت الذي يُقسم في بلادها الخيار بالنصف لتشتريه بضعف المبلغ، وأنّها تحبُ كرم وسخاء الأردنيين. وهي إجابة تُشير إلى وعي الثراء وفكر الوفرة وتطبيقات ذلك من العالم الآخر.
كما يحمل كل عقد اجتماعيّ معادلته التاريخية الخاصة به التي تقع خارج معادلة محبة المال، لتلتقي بحب الوطن، وفي هذا السيناريو الأردن ليس بالبلد الفقير. كما ويقتضي فكر العدل اليوم القبول بمبدأ المسؤولية المالية الصارمة والمتبادلة بين دخل الدولة ودخل المُكلّف الذي سيرضى بدورة "خبزنا كفاف يومنا" عندما يتوزّع الإنفاق في دروب النماء، ويظهر بجودة الخدمات.
وعندما يحبّ الناس أوطانهم، فإنهم يدركون أن السلف يدفع فقط لكي يحصد من بعده الخلف. وبتقديري، فإن المجتمعات العربية لا تدفع الضريبة على الدخل لأنها تُحب المال كثيرا، ولكن لكل الأسباب الخاطئة!

التعليق