"الغد" تنجح بالوصول إلى مكب النفايات رغم المنع وتنقل صورا صادمة لطرق التخزين

خبراء: عشوائية معالجة النفايات الخطرة يهدد ’’سواقة’’ بكارثة بيئية

تم نشره في الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً
  • كميات من النفايات الخطرة تملأ جوانب مكب سواقة - (تصوير محمد ابو غوش)
  • مدخل مكب النفايات الخطرة في سواقة

فرح عطيات وهشال العضايلة

عمان ـ الكرك - تتجلى "العشوائية" في التعامل الحكومي، مع قضية النفايات الخطرة والسامة في أخطر صورها، في مكب سواقة، الواقع جنوبي المملكة، وفق خبراء بيئيين، اعتبروا أن تلك المنطقة مقبلة على "كارثة بيئية حقيقية" في حال عدم إيجاد حلول ناجعة لمعالجة آلاف الأطنان من النفايات الخطرة المخزنة، والتي ما تزال تنفث سمومها عبر الحرائق المشتعلة هناك بصورة مستمرة على مدى الأعوام الماضية.
وكشفت زيارات ميدانية لِـ"الغد" بمنطقة مكب سواقة، عن تخزين نفايات خطرة بصورة عشوائية وغير منظمة، وفي أماكن مكشوفة ومعرضة لأشعة الشمس والرياح، في وقت تختلط فيه عبوات كيماوية بلاستيكية كبيرة مع أخرى مخزنة بعبوات كرتونية، ما قد يؤدي إلى اشتعالها بسرعة كبيرة.
ورغم منع "الغد" من التجول داخل المكب، لكنها تمكنت من التقاط صور تظهر أن النفايات يتم تخزينها فقط وليس معالجتها، حيث لا توجد حفر مخصصة لطمرها او أي حارقات خاصة بها.
والتقت "الغد" عددا من سكان منطقة بلدة القطرانة، الذين اشتكوا من "انبعاث روائح شبيهة بتلك الصادرة عن اشتعال مواد بلاستيكية، حملتها الرياح الشديدة اثناء الحريق الذي شب قبل نحو عشرة أيام في مكب النفايات الخطرة في منطقة سواقة".
واستمر تأثير الروائح الكريهة والسامة لعدة أيام، بحسب الأهالي، لأن "السيطرة على الحريق أخذت وقتا امتد لأكثر من يوم".
ووفق أحد سكان القطرانة امجد الحجايا، فقد انتشرت بالمنطقة روائح وصفها بـ"غير العادية" في اليوم الذي تلا حدوث حريق في مكب سواقة، التي اعتبر انها "مؤذية وخصوصا للمصابين بالامراض التنفسية".
وطالب الأجهزة المعنية باتخاذ الإجراءات الاحترازية لمنع حدوث أي حرائق جديدة، حرصا على سلامة المواطنين، خصوصا أن منطقة القطرانة قريبة جدا من مكب النفايات.
ودعا الى ضرورة مراعاة صحة وسلامة المواطنين عند إنشاء مكبات خطرة قريبة من المناطق السكنية، خصوصا تلك التي تحتوي على مواد كيمائية.
وفيما أكد متصرف لواء القطرانة غالب السليمات، أن منطقة القطرانة تبعد عن موقع المكب 50 كم الى الشرق من سواقة، وأنه "لم تحدث اية تأثيرات سلبية جراء الحريق على المنطقة وساكنيها"، تأتي تأكيدات أحد أصحاب المحلات التجارية، أنس علي حمدان، لتناقض ذلك، حيث يقول إن المكب "لا يبعد كثيرا عن بلدتي الدامخي والقطرانة، وأن العديد من المواطنين اشتكوا من انبعاث روائح كريهة يوم حادثة حريق مكب النفايات الخطرة في سواقة".
ولا تعد هذه المرة الأولى التي يشب فيها حريق في مكب سواقة، وفق ما تداولته وسائل إعلام سابقا، إذ شب حريق مماثل في العام 2012.
وتزيد التعرضات طويلة الأجل لنفايات خطرة ومخلفات سامة، احتمال حدوث اختلالات ولادية وقصور في النمو واضطرابات في جهاز المناعة وعطل في الغدد الصم، وضعف في وظائف الجهاز العصبي، إضافة إلى ظهور أمراض سرطانية متعددة، وفق دراسات سابقة صادرة عن وكالة حماية البيئة الأميركية.
وبحسب تلك الدراسات، يكون الأطفال والفئات الحساسة الأخرى، مثل النساء الحوامل والمدخنين، الأكثر عرضةً للمخاطر وتأثراً بنتائجها.
وتحدث أحياناً تعرضات ثانوية ناجمة عن انتقال وتحول العناصر السامة الناتجة عن التعامل الطائش مع نفايات خطرة والتخلص منها بشكل غير مأمون، حينما ترشح مثلاً الى مصادر المياه أو أوساط بيئية أخرى، مثل الهواء والماء والتربة وسواها، ملوثة مصادر مياه الشرب، ومتراكمة ربما داخل السلسلة الغذائية. 
وكانت وزارة البيئة، ومنذ ما يزيد على خمسة أعوام، تتبع نظاما ناجحا لطمر النفايات الخطرة في مكب سواقة، من خلال إنشاء حفر كبيرة ذات أرضية اسمنتية مسلحة يتم وضع النفايات فيها، ومن ثم إقامة جدران اسمنتية من إجل إغلاقها، وفق رئيس بلدية أم الرصاص أحمد الهقيش.
على ان الوزارة، حسب الهقيش نفسه، "تراجعت منذ عامين تقريبا عن التعامل مع النفايات بتلك الطريقة، دون معرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك، وراحت تعمل على تخزين النفايات بشكل مكشوف، حيث تتعرض لفترات طويلة تحت أشعة الشمس قبل التخلص منها، الأمر الذي يتسبب في اشتعالها، كونها مواد كيماوية تتأثر بالحرارة".
وأوضح أن هذه "ليست المرة الأولى التي تشتعل فيها الحرائق في المكب"، عازيا ذلك الى "سوء تعامل الجهات المعنية في طريقة التخلص من النفايات".
وبين أنه "رغم تعامل كوادر الدفاع المدني مع الحريق وطمر المواد المشتعلة بالآليات، إلا أن الخطورة تكمن في بقاء انبعاثات الغازات السامة من التربة، والتي قد تسبب الإصابة بسرطانات عدة".
إلى ذلك، أشار تقرير نشر في مجلة البيئة والتنمية، الى أن معظم النفايات الخطرة تتكون من مواد مسرطنة أو تحتوي عليها، مبينا ان إدارتها السليمة والمتكاملة هي استراتيجية وقائية صحية بيئية ضرورية.
وفي المنطقة العربية، وفق التقرير، يصنف السرطان بأنه "السبب الرئيسي الرابع للوفاة، وعلى رغم أن نسبة الإصابات السرطانية ما تزال أدنى مما هي في البلدان المتقدمة، فمن المتوقع أن تشهد المنطقة أعلى زيادة بين جميع المناطق الجغرافية الأخرى في العقدين المقبلين".
وربما يعزى هذا الاتجاه التصاعدي إلى عوامل كثيرة، منها "اتساع الشيخوخة السكانية، والتعرض المتزايد لعوامل الخطر، مثل التدخين والغذاء غير الصحي والخمول الجسدي والتلوث البيئي".
ومنعا لحدوث تلوث بيئي مستقبلا من النفايات الخطرة في مكب سواقة، أكد وزير البيئة طاهر الشخشير أن الوزارة وضعت خطة "طارئة وسريعة للتعامل مع النفايات في مكب سواقة منعا لاشتعالها، من خلال فصلها وفرزها، والتي تعتبر خطوة كافية في الوقت الحالي"، غير أن خبراء أكدوا أن معالجة تلك القضية لا يكون الا "بإنشاء محرقة خاصة للتخلص من النفايات".
على ان الشخشير، كشف عن وجود خطة تأهيل متكاملة لمكب سواقة سيتم إعدادها في غضون الفترة المقبلة من قبل إحدى الشركات اللبنانية المتخصصة في هذا المجال، وبشكل ينهي ما يمكن أن تشكله من معضلات بيئية وصحية مستقبلا.
وأكد أن موضوع مكب سواقة يعد من الأولويات التي تقع على أجندة الحكومة، لما يحتويه من نفايات خطرة قابلة للاشتعال.
وسيتم خلال الأسبوعين المقبلين البدء بإيجاد مسافات متباعدة بين المواد الكيماوية والقابلة للاشتعال في مكب سواقة، وإعادة تأهيل العاملين فيه من أجل التعامل معها في حال حدوث حرائق، وفق الشخشير.
وكانت الحكومة ممثلة بدائرة البيئة في وزارة الشؤون البلدية والقروية والبيئة، قامت العام 1989، باختيار الموقع ليكون مكبا للنفايات الخطرة والضارة في شرق منطقة سواقة وعلى مسافة (125) كم جنوب شرق عمان، وعلى بعد (50) كم من مركز إصلاح سواقة.
ويعتبر مشروع مركز معالجة النفايات الخطرة في السواقة فكرة رائدة أطلقتها وزارة البيئة، وفق رأي أستاذ هندسة البيئة في جامعة العلوم والتكنولوجيا الدكتور هاني أبو قديس، الذي استدرك بالقول: "إلا أنه لم تتم ترجمة أهدافه على أرض الواقع كما هو مخطط له، حيث لم يتم لغاية هذه اللحظة إنشاء وحدات متكاملة لمعالجة النفايات الخطرة في المكب".
وبين أبو قديس لـ"الغد" أن المكب "أصبح مكانا لتخزين النفايات الخطرة فقط دون العمل على التخلص منها ومعالجتها، حيث هنالك حاجة لإنشاء وحدات معالجة فيزوكيمائية، وأخرى لحرق النفايات بطرق علمية، وهو ما لم تقم بتنفيذه الوزارة حتى هذه اللحظة".
وحذر من التأثيرات البيئية الخطرة للنفايات السامة التي يتم تخزينها في مكب سواقة، والتي تعتمد خطورتها بناء على عوامل عدة، من بينها سرعة الرياح التي تساهم في انتشار أوسع للدخان الناجم عن أي حريق ينشب هناك.
ومن أجل تحديد التأثيرات الصحية وبدقة أكبر، يرى ابو قديس أن "هنالك ضرورة لإجراء دراسات تقييم المخاطر نتيجة سوء الممارسات في التخزين، والمعالجة للنفايات الخطرة في المكب، وخاصة المواد الكيماوية".
ودعا وزارة البيئة إلى محاولة تنفيذ شراكات مع القطاع الخاص بغية تنفيذ ودعم استكمال أهداف المشروع، وإنشاء وحدات معالجة خاصة داخله.
ولا بد أن تتم معالجة النفايات الخطرة في سواقة بحسب نوع كل منها وليس تخزينها كما هو معمول به حاليا في مكب سواقة، من وجهة نظر رئيسة لجنة المياه والبيئة في نقابة المهندسين سناء اللبدي.
ولفتت اللبدي إلى ضرورة إقامة محرقة مماثلة لتلك التي أنشئت في مكب الغباوي، وتعمل حاليا في مرحلتها التشغيلية التجريبية الأولى، باعتبار أنها تتوافق والمواصفات العالمية المطلوبة لمعالجة النفايات الخطرة.
وحول التأثيرات البيئية لسوء تخزين ومعالجة النفايات الخطرة في مكب سواقة، حذرت اللبدي من أن تأثيراتها لا تقتصر على الهواء لدى اشتعالها، وإنما تطول التربة والمياه الجوية في حال تسربها وطمرها بصورة غير مدروسة وعلمية.
وأوضحت أن اللجنة طلبت من وزارة البيئة أكثر من مرة إطلاعها على دراسات تقييم الأثر البيئي التي أجريت للمكب، والسماح لأعضائها بإجراء زيارة ميدانية للموقع، للاطلاع على واقع الحال، "إلا أنه تم تجاهل طلبها وعدم الرد"، وفق اللبدي.
وأرجعت في تصريحات لـ"الغد" قصور إنشاء وحدات لمعالجة النفايات الخطرة في مكب سواقة إلى نقص التمويل، حيث إن تكلفة إنشاء المحرقة الواحدة تقدر بنحو خمسة ملايين دينار، على غرار الموجودة حاليا في مكب الغباوي.
وللسيطرة على النفايات الخطرة والحد من أضرارها على البيئة والصحة العامة، قام العديد من الدول بوضع تشريعات للتخلص منها بطرق آمنة، لكن هذه الضوابط كانت أدخلت مؤخراً، فيما يتم تطبيقها نسبيا، نظرا لوجود كثيرٍ من التجاوزات التي تتم خارج نطاق السيطرة الرقابية.
ومن هذه التجاوزات، أنه يتم اكتشاف مستويات خطرة من المواد السامة، حيث تسببت النفايات الكيميائية السامة بتلوث إمدادات المياه الجوفية، ومياه سطحية في المناطق المحيطة بها، رغم عدم انتقال كميات كبيرة من تلك النفايات من موقعها.

farah.alatiat@alghad.jo
hashal.adayleh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تعليق (فلاح أديهم المسلم)

    الأحد 10 كانون الثاني / يناير 2016.
    لا تعليق لأنّ ثقتنا بحكوماتنا وأجهزتنا الرسمية مطلقة , ولا يمكن أن تتستر على أمر فيه ضرر على صحّة الشعب الطيّب المعطاء ..
    يشاع أنّه ثمة لجنة خبراء دوليين تنوي زيارة المكب المشار إليه بالخبر المرفق ؛ لذلك فإنّ الأجهزة المعنية تعمل على تنظيفه وتصويب ما فيه من خلل قبل قدوم اللجنة حتى تجد الأمور كما يرام ولن تستمع لأي شكوى في المستقبل ...
    المكب يبعد عن طريق عمان – العقبة من عند سجن سواقه بحدود 50 كلم للسيارة , و40 كلم خط نار ....... أي مقاطعة ..
    المناطق التي تقع تحت مدى سلاحه عندما تكون الرياح شرقية هي محافظة الكرك وجنوب لواء الجيزة فقط ....
    ومياهه تسيل على حوض مياه الأزرق ....
  • »موضوع هام (متابع2)

    الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2016.
    موضوع مثير وفي غاية الأهمية والأمر لا يحتاج إلى دراسات وأبحاث ولجان، وإنما إلى إجراءات عاجلة وفورية والمفروض أن القائمين على هذا الملف يتحملون المسؤولية الكاملة للتعامل مع حيثياته، ونتمنى على الجهات المعنية متابعة الموضوع بجدية كاملة وعدم التهاون بصحة المواطن وسلامته،