تخفيف أثر ضغوط الحياة على الفرد

تم نشره في الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً
  • تذكير النفس دائما بما يكدرها وما يزعجها يجعل الشخص سلبيا - (MCT)

ديما محبوبه

عمان - جمل كثيرة تقال بشكل يومي ومن الجميع تدل على الضجر وعدم الرضا وكثرة ضغوطات الحياة، بشكل يؤثر على نفسية الفرد وعلى من حوله.
وبأبسط الأمثلة على تلك الجمل"لا أحب العمل ولا أجد التقدير فيه"، "أريد الزواج لكن لا أحد يملأ عيني"، "تربية الأولاد أمر مرهق"، "مراعاة نفسية حماتي وكسب رضاها دائما يجعل الحياة الزوجية مملة"، "ابني لا يحب الدراسة ويرهقني في تدريسه".
تختلف ردود الفعل عند الأفراد منهم من يبدي بطولاته في تحمله لتلك الضغوطات وأنه يعاني الكثير لتجاوزه إياها، وآخرون يضخمون تلك الضغوطات وجعلها لا تطاق وبناء عليها يتخذون قرارات لتغييرها، مما يجعل حياتهم سلبية ومن حولهم أيضا.
وتستاء خديجة علي من نفسها لكثرة شكواها من ضغوطات حياتها، معترفة أن أقل القليل يكدر عليها يومها ويمكن أن تستمر تلك السلبية معها لأطول من ذلك.
وتستذكر في إحدى المرات ذهابها للتسوق وشراءها قميصا اعتقدت أنه يليق بتنورتها التي جاءتها هدية في الشهر الماضي، وكونها في البيت لم تكن متأكدة من ذلك وبعد عودتها وجدت أن ألوان القطعتين لا تليق ببعضهما بعضا، مما جعلها تعج بالتوتر وارتسمت خطوط الكشرة على وجهها وفضلت عدم التحدث عن ذاتها، حتى أنها تمتمت الكثير عن أن الدنيا تسير عكسها.
وتضيف أن هذا الأمر يتكرر معها كثيرا وفي أبسط الأزمات، والأهم بأنها تؤثر على نفسية زوجها مباشرة وتحدث معها مرارا لتغيير أسلوبها، إلا أنها لا تستطيع السيطرة على أعصابها.
في حين يشعر طالب أبو الهيجاء أنه يعيش حياة لا تمشي بصالحه نهائيا، فهو أخ لأربع بنات ومسؤول عنهن وعن والدته التي ترملت مبكرا، كما يصفها.
ويروي أنه يجد نفسه شخصا عاجزا عن تلقي الصدمات الكثيرة لتلك العائلة فهو شب على أن يكون أبا لهم جميعا، وكثرة تفكيره بتحقيق طلباتهن وتوفير سبل الحياة المريحة وتعويضهن عن حنان الأب والزوج يسعى بشتى السبل لذلك، إلا أنه يجد المشقة كبيرة مما يجعل أبسط البسيط يؤثر على حياته كثيرا.
ويصف طالب ابن الثلاثين عاما بأنه اليوم يرى نفسه في المرآة وقد علا الشيب رأسه وازدادت مساحة التصحر في شعره وترسخت علامات الكشرة على جبينه ومن شدة توتره وعصبيته المتلازمتين معه طوال الوقت.
ويؤكد أن والدته تتحدث معه بشكل دائم عن أهمية تكوين أسرته الخاصة وأن تفرح به، لكن جوابه "ما راح أتزوج قبل ما أطمن على خواتي وأشوفهم ببيت العدل، وأكون بداخلي أتحدث هو أنا ناقصني هم زيادة بكفيني اللي عندي".
في حين تبين عالية عبد الرحمن أن لديها صديقة تحمل نفسها طاقة كبيرة من السلبية ودائما تشير في كلامها، إلى أن الحياة تسير ضدها وأن حظها السيئ رفيق دربها، فهي تبلغ من العمر 37 عاما ولم تتزوج حتى اليوم، لكنها مجدة في عملها والجميع يشهد في ذلك، لديها أهلها المحبون لها والمدركون لقيمتها في الحياة.
وتكمل أنه لا ينقصها الجمال ولا النسب الجيد، ولديها من الثقة من ذويها وإخوانها ما يكفيها أن تفعل ما تشاء وتعود لمنزلهم في أي وقت تريده وتخرج أين ما تريد مع صديقاتها، إلا أنها لا تجد في حياتها أي شيء إيجابي، رائية أنها تمشي عكس السير.
"ولشدة قناعتها بذلك ولكثرة حديثي معها بلا جدوى قررت أن لا أتدخل فيها وألا أبدي أي رأي عن حياتها حتى تذهب عنها موجات الغضب المتكررة والسلبية والتي باتت مؤخرا تسيطر على حياتي وأشعر أني أصبحت سوداوية مثلها"، تقول عالية.
وفي هذا السياق، يقول اختصاصي الطب النفسي د.محمد الحباشنة "الجميع معرض لضغوطات الحياة المختلفة الكثيرة إن كانت شخصية أو عملية وبين الأهل أو الأصدقاء أو حتى في أمور الفرد ذاته".
لكن ليس الجميع يحمل الانهزامية والرؤية السوداء ويجعل نفسه فريسة لتلك الضغوطات، فمنهم من يرى نفسه أقوى من ذلك ويتجاوز الأمر بمجرد تغيير المكان وكأنه يقلب المحطات على شاشة التلفزيون ومنهم من يبقى يستذكر سيئات يومه وتفاصيل حياته ويبقى متكدرا.
ويؤكد حباشنة أن فرط الحساسية وردود الفعل المبالغ بها مؤشر على حالة مرضية يعاني منها الشخص، وهي دليل على شخصية تعاني من اضطراب أو ما يعرف بالشخصية الوسواسية التي تعاني من القلق بشكل شبه دائم.
وعن الأسباب التي قد تؤدي إلى اكتساب هذه الشخصية، يقول حباشنة إن تراكم الخبرات القاسية أحد هذه الأسباب الى جانب كيمياء الشخص التي تعود لجيناته والعوامل الوراثية.
وفيما يخص العامل الوراثي، يقول الحباشنة "إن البيئة المحيطة هي التي تعزز من سلوك هذه الشخصية أو تحد منه".
وعن الأشخاص الذين يتساءلون عن الطريقة التي يمكن من خلالها الحد من هذا التوتر اليومي واكتساب مقدار أعلى من الصبر والتحمل، يقول حباشنة "التمرين العقلي وتمرينات الاسترخاء تفيد في هذا المقام إلى جانب محاولة تجنب المواقف التي تسبب الضغوط".
ويوضح فيما يخص التمرين العقلي بأنه محاولة التفكير بإبعاد الموضوع وتأكيد القناعة لديه بأن هذا الأمر بسيط ويجب عدم تضخيمه "هناك جملة عقلية تسيطر على الأشخاص الذين يستسلمون للضغوط اليومية تقول إن الأزمة كبيرة وقدرتي على مواجهتها قليلة ومحدودة وهنا لابد من تغيير هذه القناعة بشكل تدريجي".
في حين يرى خبير الطاقة عبد الناصر جرار، أن محاولة تذكير النفس دائما بما يكدرها وما يزعجها يجعل الشخص سلبيا ويبث طاقاته العصبية والمزعجة لمن حوله ومن يشاطرونه الحياة.
فينصح هؤلاء الأفراد بجعل المواقف لا تتجاوز حدها ولا ينقلها معه لأي مكان، فالعمل فيه المزعج وكذلك بين الأصدقاء والبيت، والفصل بين تلك الحياة وإزعاجاتها يجعل النفس أكثر راحة ومستقبلة لضغوطات الحياة والتي بكل تأكيد يعد الفرد أقوى منها لكن ما ينقصه هو ترويضها.

dima.mahboubeh@alghad.jo

التعليق