موفق ملكاوي

الأغنية الوطنية: "يا حرام"!

تم نشره في الخميس 7 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً

قبل أكثر من قرن، كان الأردني يتغنى بالمكان والحبيبة، بمفردات غير متكلفة، بل كانت ابنة بيئتها، لذلك فقد اجتهد مخلصون لجمع هذا الموروث، خصوصا الفنان الكبير توفيق النمري والموسيقي المتميز طارق الناصر.
ولكن، اليوم وبعد مرور كل هذه السنوات على ذلك الإرث الذي تركه لنا أجدادنا، ما الذي سنتركه نحن خلفنا لأبنائنا وللباحثين؟
في الحقيقة لا شيء، سوى كومة من الخراب والإسفاف وتلويث الذائقة، وآخرها مخرجات ما سمي "مسابقة الأغنية الوطنية" التي رعتها وزارة الثقافة عن سابق تصميم وإصرار وترصد!
بالمصادفة البحتة، استمعت إلى الأغنية الفائزة بالمركز الأول لمسابقة الأغنية الوطنية الأردنية بعنوان "في موطني"، والحقيقة إذا كانت هذه الكلمات هي أجمل ما يمكن إخراجه من شعراء الأردن، عندها ينبغي لنا أن نتأكد أننا نعيش في ساحة عاقر، لا تنجب سوى تشويها وتلويثا.
لن أتطرق إلى الأداء من طرف الفائز، فأنا لست مختصا في هذا المجال، ولا إلى الألحان، ولكن أن تفوز أغنية كلماتها تقول "في موطني الكل يغني موطني. في موطني الكل قلبه مغتني. يا أحلى وطن ياللي بشعبك معتني. يكفي فخر أنهم ينادوا أردني"، فهذا كثير، وهو نوع من الرداءة التي تصيب الإبداع في مقتل، وينبغي أن لا تتم مسامحة وزارة الثقافة على تسويق هذه الرداءة.
لا أدري ما هي "نوعية" اللجان التي نظرت في النصوص المقدمة، ثم جاء قرارها "الحكيم" بأنها صالحة لتخوض غمار المسابقة، كما لا أدري من هم الحكام الجهابذة الذين منحوا مثل هذه الكلمات الركيكة "صكوك غفران" إبداعية لتنافس في واحدة من المسابقات التي ينبغي لها أن تضيف إلى الرصيد الحضاري، لا أن تأخذ منه، وأن تظهر المبدع الأردني  قويا، كما هو بالفعل.
لحسن الحظ، لم أطلع على الأغنيتين الفائزتين بالمرتبتين الثانية والثالثة، ولكن بما أن المرتبة الأولى ظهرت على هذا الشكل الضعيف الواهن، نسأل أولئك الذين اشتركوا في هذا "الجناية" عن معاييرهم الإبداعية التي فرضوها على النصوص ليرشحوا صلاحية وفوز هذه الأغنية بالذات.
في المسابقات المحترمة والتي تريد أن تضع ضوابط وأسسا مهنية وأخلاقية للفنون وطرق تحكيمها، يتم حجب الجوائز إذا لم يتم تقديم سويّة معينة تمتلك حدا أدنى من الإبداع المقبول. وفي المسابقات التي يتم "سلقها" في بلدنا، يتم منح مراتب وجوائز لمارين صدفة بالمكان.
أنا لست ضد كاتب هذه الكلمات، فهو بالتالي من حقه التعبير بالأدوات التي يمتلكها، ويجب علينا أن ندافع عن حقه ذلك. ولكنني أكتب ضد أولئك الذين قبلوا هذه الكلمات للدخول في مسابقة وطنية، وكأنما أصبحت الأغنية الوطنية "حيطة واطية"، وتحصيل حاصل، ما دام أنه ما من أحد يدقق كثيرا في محتوى ما يتم تقديمه.
الجريمة الفعلية حقا، أنه ما من أحد يدقق، فالمستمعون ملوا مما يتم تقديمه من رداءة تحت هذا المسمى، والمؤسسات ولجان التحكيم "تفصّل" مسابقات بمعايير هابطة، ولا تدقق على المحتوى كذلك، خصوصا أن هناك من يريد أن يعمم فكرة "عدم تجويز" نقد مثل هذه الأغنيات، بدعوى أنها "أغنية وطنية"، وهي بالتالي فوق النقد ما دامت تتغنى بالأردن.
يا الله! هل أصبحت الرداءة من ثوابتنا!!
هذا المقال أضعه على طاولة الوزيرة لانا مامكغ، وهي زميلة آتية من الصحافة، ونخال أنها تمتلك الأدوات الضرورية للحكم على ما هو إبداعي وما هو غير ذلك، ونسألها: كيف انتهت وزارة الثقافة إلى تسويق الرداءة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جعل الرداءة الذائقة العامة (Sami)

    الخميس 7 كانون الثاني / يناير 2016.
    الرداءة تسوق منذ عقدين تقريبا و ما تفضلت ينعت ل من يقول انها لا تناسب ذائقته بانه عديم الانتماء. و الرداءة ليست فقط بالاغاني بل حتى بالمذيعين الذين لم يقصروا ايضا بالتسويق لها. مع تناسبها مع مستوى ذوقهم و ما يقدمون. و اذكر مرة ان احد هؤلاء المذيعين المشهورين في برنامجه الصباحي سأل احد هؤلاء المغنين ( الوطنيين) " صحيح يا فلان انك الاسبوع الماضي خلصت ماجستير؟ فلم يتردد المطرب " الوطني" بالاجابة التي لم تخلوا من نبرة التباهي : " يا زم انا راسب توجيهي" !!
  • »تشبه الوطن (مغترب يتبخر)

    الخميس 7 كانون الثاني / يناير 2016.
    الأغاني الوطنية الحالية تشبه الوطن وكأنه لم يعد وطنا"... كما كانت من قبل كل الغاني الوطنية تشبه الاردن الجميل بشمس ربيعه الدافئة و السوسنة و الدحنون و ابتسامات الرجال الرجال.. و عمان الشرقية الجميلة الحقيقية و عمان الغربية الصغيرة العريقة المحترمة.. كانت أغاني زمان تشبه مناخ جرش و عجلون و بساطة الزرقاء بتعقيداتها. كانت تشبه تلك الايام الجميلة عندما افتتحت اليرموك في اربد.. كانت تشبه قشعريرة حب و دمعة شوق..