أي دين هذا؟

تم نشره في الأحد 10 كانون الثاني / يناير 2016. 01:04 صباحاً

على مدار الأيام الثلاثة الماضية والناس في مختلف أرجاء الدنيا يعيشون صدمة جديدة هزت العقول والقلوب والضمائر وتجاوزت حدود ما يمكن ان يستوعبه العقل. الفصل الجديد في مسلسل الإرهاب والرعب الذي تولت إنتاجه منظمة الموت، تضمّن مشاهد شاب عشريني يطلق النار على والدته وسط ابتهاج جماهيري بفعله البطولي الذي أخذ طابعا استعراضيا لا أظن أن له مثيلا في الوحشية والدوافع والمبررات.
المشهد الاخير يطرح العديد من الأسئلة على مجتمعاتنا ومؤسساتنا ومفكرينا وشيوخنا وإعلاميينا وقادتنا كل في موقعه. الأسئلة التي تدور في الأذهان وتشغل الذين شاهدوا وسمعوا عن الحدث تتعلق بهل يمكن أن يقوم شخص غير مختل عقليا بقتل أمه؟ وإذا كان كذلك فما هي الحكمة من قتلها في ساحة عامة وعلى مرأى من المئات وتحت اضواء كاميرات الأخبار العالمية؟ وكيف يمكن أن يكون ذلك طقسا دينيا أو أن يأتي بأوامر وتوجيهات قائد مجموعة تزعم أنها تسعى لتقديم نموذج قيمي أخلاقي يتسم بالعدل ويتجاوز الظلم والتعدي والحرمات؟ وهل يمكن أن تتولد داخل النفس قوة تتفوق على المشاعر الغريزية المتأصلة بين الأم والأبناء وما تحمله من حب وعطف ورحمة؟ وكيف يمكن لأي عقيدة أن تذيب هذه المشاعر أو تستأصلها وتلغي تأثيرها لحساب أيديولوجية وقيم يكتسبها الفرد في التدريب والتوجيه؟ ما هي الأساليب والتقنيات التي تستخدمها الجماعات للوصول بالأفراد إلى هذا الحد من الوحشية ومعاداة كل ما هو إنساني.
وأخيرا أي دين هذا الذي يبثّ مثل هذه القيم ويعمد لمثل هذه الممارسات؟ وهل في الدين الذي يزعم هؤلاء القتلة أنهم يقومون على تطبيقه ما يشير إلى أن يكلف الفرد بقتل أمه أو أبيه بهذه الوحشية والاستعراض الذي أطل على العالم؟
الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تحتاج إلى بحث معمق وحوار وعصف ذهني وبعضها قد لا يمكن الإجابة عنه مهما حاولنا. لكن الواضح أننا أمام فصل خطير من فصول الرعب الذي احترف الداعشيون إنتاجه تحت شعارات الدين. وواضح أيضا أن القيم والأخلاق التي ساهمت في تماسك مجتمعاتنا وإدارة حياتنا عبر قرون من الزمان يمكن ان تتغير؛ فقد أصبح لدى البعض القدرة على العبث في جيناتنا وغرائزنا وهويتنا الأخلاقية وعواطفنا وتحريفها ليصبح القائد المصطنع أكثر قدرة على التأثير والتوجيه وأصبح بمقدور الأفكار المحوّرة أن تدفع بالأفراد أن يهاجموا نواة إنسانيتهم وفطرتهم وخلقهم الذي بقي الثابت الوحيد عبر رحلة الإنسان الطويلة على الأرض وكان سببا في التكاثر والأمن والرعاية والانتشار.
الاسئلة التي تطرحها المشاهد الجديدة تتعلق بمنظومة الأفكار التي تولد الدافع لدى الفرد لقتل الوالدين؟
ما المبررات التي يستخدمها الفرد لاقناع ذاته بأنه قام بفعل لا يقود إلى الجنون؟ وما الإطار الثقافي الذي يجعل الآلاف يحتملون مشاهدة مثل هذا الفعل دون اعتراض أو احتجاج؟
من السهل على الكثيرين أن يدينوا الفعل ويغلقوا الصفحة باعتبار ذلك حادثا جنونيا عابرا أو فعلا استعراضيا جرى انتقاء أبطاله بعناية لخلق الرعب واستعراض قوة التأثير، لكنني أرى في ذلك خطورة من نوع خاص، فهو عبث جديد وخطير بجوهر الإنسانية وجينات فطرتها. وهو انحراف واضح يقوده الذين احترفوا الاحتفال بالموت وقتل النفس ومعاداة الحياة، ومن غير الممكن ولا المعقول أن يكون لذلك صلة بالدين الذي أقبل الناس على اعتناقه لما فيه من الخير والعدل والطمأنينة والقيم والصلاح.

التعليق