التوتر الإيراني السعودي يظهر صعوبة تخلي الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط

تم نشره في الأحد 10 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً
  • إيرانيون يحرقون أعلاماً أميركية وإسرائيلية خلال تظاهرة أمام السفارة السعودية في طهران مؤخراً – (أرشيفية)

هاورد لافرانشي - (كرستيان سينس مونيتور) 5/1/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قطع العلاقات الدبلوماسية بين العربية السعودية وإيران يجيء بينما يحاول الجانبان تحقيق قصب السبق في شغل ما يريانه فراغاً سياسياً في المنطقة بسبب تراجع الولايات المتحدة.
 *   *   *
ما تزال العربية السعودية السنية المسلمة، وإيران الشيعية، تحاربان بعضهما بعضا من أجل التفوق والفوز بقصب السبق في الشرق الأوسط منذ عقود -وهي حقيقة قد تجعل من قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين المتنافسين في عطلة نهاية الأسبوع يبدو عملاً مندرجاً في السياق العادي للأمور.
لكن هناك سبباً وجيهاً للاعتقاد بأن هذا التصعيد الأخير للتوتر مختلف وأكثر بعثاً على القلق في هذا الوقت، وهو أنه يجيء بينما تتصرف القوتان الإقليميتان لفرض نفسيهما وكسب اليد العليا فيما تريانه فراغاً في السلطة ناجماً عن تراجع الولايات المتحدة، وفق ما يقول بعض المحللين الإقليميين.
يقول جيمس فيليبس، خبير الشرق الأوسط في مؤسسة "هيريتيج" في واشنطن: "هذه المرة مختلفة، وهي تهم لأنها تظهر أن التوتر يتصاعد وفي طريقه لأن يبلغ أوجاً في سياقما تشعر به العربية السعودية وإيران على حد سواء بأن الولايات المتحدة عاقدة العزم على الخروج من المنطقة".
ويضيف: "وقد شجع ذلك كلا الجانبين على الدفع قدماً لتأسيس أولوياتهما الخاصة والإشارة لبعضهما بعضا بأنهما سيراقبان وسيردان على ما يفعله الجانب الآخر. وقد يفضي ذلك إلى أفعال تجلب "قوتين" متصارعتين أصلاً من خلال الوكلاء، أقرب إلى صراع مسلح".
وكان إعدام رجل دين شيعي مرموق في العربية السعودية يوم السبت قبل الماضي، نمر النمر، كجزء من حملة إعدام جماعية شملت جهاديين سنة في الغالب كانوا قد نفذوا أعمالاً ضد العرش السعودي، قد سعّر أوار التوتر بين البلدين. وقام جمهور إيراني غاضب على الإثر بإشعال النار في مبنى السفارة السعودية في طهران بسبب مقتل الشيخ النمر، وهو ما دفع الرياض إلى قطع الروابط الدبلوماسية مع إيران. ويوم الاثنين، حذت ثلاث دول خليجية سنية حذو السعودية -إما من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران أو خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي معها.
ولا يغيب عن البال أن العربية السعودية وإيران تخوضان مواجهة ضد بعضهما بعضا منذ فترة -ولو أنها من خلال وكلاء- في الصراعين الجاريين في سورية واليمن. ومن شأن ارتفاع وتيرة التوترات والمواجهات الدبلوماسية المطولة على طول خط الانقسام السني الشيعي أن يعيق الاهتمامات الأميركية -والأهم من بينها المعركة ضد الدولة الإسلامية والتطرف الإسلامي العنيف عموماً. وبالإضافة إلى ذلك، فإن من شأن التوترات أيضاً أن تزيد من تعقيد أوضاع الشرق الأوسط الذي ألحق الهزيمة بخطة الرئيس أوباما لترك صراعات المنطقة وراء ظهره، وفقاً لما يقوله بعض الخبراء.
ويقول سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن هدف إدارة أوباما كان يدور طوال الوقت حول خفض الانخراط الأميركي وتحويل الاهتمام إلى مكان آخر. لكن تلك المقاربة تأتي بالأثر الذي نشهده راهناً: تصاعد حالات التوتر بين هذين الندين الجيوسياسيين بطريقة تشكل تهديداً خطيراً للمصالح الأميركية".
ويضيف السيد هندرسون أن تصعيد التوتر بين السعودي وإيران بطريقة خارجة على السيطرة يمكن أن يوجه صفعة لهدفين رئيسيين من أهداف السياسة الخارجية للسيد أوباما -إيجاد حل سياسي للحرب السورية التي دخلت عامها الخامس كعنصر رئيسي في المعركة لإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية؛ وتنفيذ الصفقة النووية مع إيران. ولكن، إذا حدث تطور ما، فهو يكمن في أن التصرفات الأميركية الأخيرة قد منحت البلدين الندين الجرأة على العمل ضد بعضهما بعضا، وهو ما أفضى إلى تراجع الأولويات الأميركية، كما يقول.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد دان محاولة إحراق السفارة السعودية في طهران، لكن هندرسون يقول إن الحادث كان بالرغم من ذلك تذكرة بسجل النظام الإيراني في "السلوك السيئ"، وهو سلوك كانت إدارة أوباما قد اقترحت أنه من المرجح أن يتغير مع عودة إيران إلى مجتمع الدول بموجب الصفقة النووية.
ويقول هندرسون: "السعوديون حانقون لشعورهم بأن واشنطن تسمح لإيران من الناحية الجوهرية بالمضي قدماً بالجريمة" المتمثلة في تنفيذ الصفقة النووية. ويضيف: "وكنتيجة لذلك، فإنهم يرون أن قوة إيران الإقليمية تتعزز وأن عليهم القيام برد فعل بعد أن أصبحوا من دون الاعتماد على الولايات المتحدة".
وكان السعوديون قد أصيبوا بالذعر عندما لم تفعل الولايات المتحدة أي شيء في الشهر الماضي حيال مناورات أجريت بالذخيرة الحية، التي نفذتها قوات البحرية الإيرانية في مضيق هرمز، وحيث كانت حاملة الطائرات الأميركية، هاري ترومان، تجوب مياه الخليج. ويضيف هندرسون أنه من غير المبالغ فيه هنا رؤية إعدام الشيخ النمر على أنه إشارة لكل من إيران والولايات المتحدة.
ويضيف هندرسون: "نعم، إن إعدام السعوديين لنمر النمر كان محاولة منهم لتثبيت الإيرانيين، لكنني أرى وكأنهم يتحدون بذلك الولايات المتحدة لتقول: "إن إيران تهدد أمننا، وأناسها، مثل النمر، هم الذين يمثلون ذلك التهديد لنا"".
وكان النمر منتقداً مفوهاً للملكية السعودية السنية، لكنه لم يتم ربطه أبداً على نحو مباشر بالإرهاب أو بأعمال موجهة ضد الدولة السعودية.
من ناحيتها، تشعر القوى العالمية بالقلق من إمكانية أن يفضي تسعير التوترات الإيرانية-السعودية إلى أزمات دولية، وهو ما تجسد في مجموعة من المناشدات من أجل الهدوء وعدم التصعيد الدبلوماسي. وكانت روسيا والصين وألمانيا والولايات المتحدة قد دعت البلدين يوم الاثنين الماضي إلى إعادة النظر في موقفيهما والانسحاب من المواجهة، بينما سافر مبعوث الأمم المتحدة لشؤون سورية، ستيفان ديميستورا، إلى الرياض يوم الاثنين في محاولة للحيلولة دون أن يخرج الشقاق الدبلوماسي مباحثات السلام السورية المقررة في وقت لاحق من هذا الشهر عن مسارها.
لكن الصوت الوحيد الذي يرى المحللون الدبلوماسيون أنه يحدث فارقاً حقيقياً لدى كل من إيران والعربية السعودية، هو صوت الولايات المتحدة -ولا يتوقع أي أحد من إدارة أوباما أن تقدم على اتخاذ أي نوع من التحركات التي قد تجعل كلا الجانبين قلقين ويدونان الملاحظات.
يقول السيد فيليبس من مؤسسة هيريتيج: "لقد تفاقمت هذه التوترات بشعور السعوديين بأنهم لا يستطيعون التعويل على الولايات المتحدة، وأن إدارة أوباما كانت مصممة منذ البداية على الانسحاب من الشرق الأوسط -وفي العملية نقل زمام الأمور للإيرانيين". ويختتم بالقول: "ومع حلول هذا الوقت، أصبح ذلك خوفاً كامناً بشكل عميق، والذي لا تمكن مخاطبته بدعوة إلى ضبط النفس يوجهها البيت الأبيض".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Iran-Saudi tensions show why it is so hard for US to disentangle from Mideast

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق