وما تزال محاكمة مبارك مستمرة!

تم نشره في السبت 16 كانون الثاني / يناير 2016. 01:03 صباحاً

آخر ما بلغته محاكمة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، هو ما أصدرته محكمة النقض، قبل أسبوع، في حكمها النهائي بتأييد معاقبة مبارك ونجليه علاء وجمال، بالسجن لمدة ثلاث سنوات، لإدانتهم بالاستيلاء على نحو 125 مليون جنيه مصري من المخصصات المالية للقصور الرئاسية.
وهذا يعني أن مبارك ما يزال بعد كل هذه المتغيرات التي وقعت في مصر منذ نجاح ثورتها في الإطاحة بحكمه قبل خمس سنوات، يُحاسب على الفساد المالي، وقضايا قتل المتظاهرين، كما يُحاسب أي مواطن عادي على جرائم من هذا النوع، ليس إلا، وليس على ممارسته الاستبداد السياسي ومصادرته حقوق الشعب السياسية أثناء العقود الثلاثة التي حكم فيها مصر، أي من دون خصوصية لموقعه في رئاسة البلاد!
حسني مبارك حوسب سابقاً، وما يزال، على قضايا تتعلق بقتل المتظاهرين منذ اندلاع ثورة "25 يناير" 2011، وحتى تخليه عن الحكم في 11 شباط (فبراير) 2011، وكذلك على: الإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ، والإضرار بأموال الدولة عمداً لموافقته على تصدير الغاز لإسرائيل بأسعار تقل عن أسعار السوق العالمية. وهي قضايا يمكن أن يُحاسب عليها أي مسؤول كان على صلة بالمال العام. مبارك لا يُحاسب، مثلاً، على تزويره انتخابات مجلس الشعب على مدار سنواته الثلاثين في الحكم، والتي ظل حزبه الوطني يفوز فيها باكتساح. كما أن مبارك لا يُحاسب على تزويره الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية التي فاز فيها تباعاً بأصوات لا تقل نسبتها عن 95 % من إجمالي الناخبين، لتكشف الثورة الشعبية لاحقاً أن مبارك كان مرفوضاً من معظم هؤلاء الناخبين!
محاكمات مبارك لم تأخذ باعتبارها محاسبته على الممارسات الاستبدادية إذن، برغم أن "الاستبداد" هو التهمة الأساسية لأنظمة ثارت ضدها الشعوب، بعد أن ظلت مستولية على السلطة من دون اختيار حرّ من الشعب، وتصرفت بها بعقلية العصابة؛ فلم تستعملها لخدمة الأوطان وتحقيق طموحاتها الكبرى في التحرر والنهوض والتقدّم، بل لخدمة أغراضها الخاصة، ثم سعت إلى توريثها وكأنها مُلك خاص.
هكذا، لا يبدو أن محاكمات مبارك، كنموذج من محاكمات الرؤساء المخلوعين في ثورات "الربيع العربي"، قد أخذت باعتباراتها الأبعاد الاستراتيجية للثورات الشعبية، والمعاني التاريخية لتبديل الأنظمة السياسية بهذه الطريقة التي لم تعرفها منطقتنا من قبل، وهو الأمر الذي كان سيعطي كل تلك الثورات وجاهة تاريخية أعظم.
والحال أن تلك المحاكمات لا تدرك الجريمة الحقيقية لأنظمة استولت على السلطة في الربع الأخير من القرن العشرين، أي عقب حالة المد القومي، فلم تنجز شيئاً على صعيد المصالح العربية؛ كمسألة التكامل الاقتصادي العربي، والتخطيط للنهوض العربي، وعلاقات العرب الدولية، وقضية التحرر من الاحتلال والتبعية، كما لم تنجز شيئاً على صعيد المصالح الوطنية الداخلية؛ كمسألة حرية الفرد وحقوقه المدنية، ومستوى معيشته، والتقدم العلمي للأوطان، بل إن هذه الانظمة على العكس من ذلك كله، كرّست عبادة الفرد، وثقافة الخوف، والانقسام القومي، وأضرت بالحقوق التاريخية والمصالح الاستراتيجية للعرب بسبب سياساتها الدولية.
في الواقع، كانت محاكمات حسني مبارك مفيدة وذات مغزى لو أنها سألته: هل كانت لديك خطة استراتيجية لنهوض الوطن؟ وماذا فعلت لتحقيقها؟ وماذا بذلت لتذليل عقباتها؟ وهل قمت بمراجعتها وقياس نتائجها؟ وهل اخترت رجال سلطتك من أكفاء مؤهلين لتنفيذ الخطة؟ أما وقد مضت المحاكمات من دون تلك الأسئلة، وعلى النسق نفسه: في عهد المجلس العسكري، والإخوان المسلمين، والرئاسة الحالية، فقد ظلت (تلك المحاكمات) قاصرة، ولا يمكن إدراجها في إطار تحوّل استراتيجي، مفاده إدراك أبعاد الأزمة الحضارية لبلداننا وأمتنا، والسعي إلى معالجتها وعدم تكرارها، وهذا وجه آخر لأزمة ثورات "الربيع العربي"، في الذكرى الخامسة لاندلاعها!

التعليق