هيثم سرحان: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الأخلاء

تم نشره في الاثنين 18 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً
  • د. هيثم سرحان- (ارشيفية)

عزيزة علي

عمان- يستحضر د. هيثم سرحان المدن العربية صاحبة الحاضرة العريقة الضاربة جذورها في عمق التاريخ فمن بيروت إلى بغداد الى سورية ومصر وتطوان في المغرب العربي، فهو مفتون بهذه المدن وبما أنتجت من مبدعين استطاعوا أن يقدموا مدنهم في قابل قصصي أو روائي جذاب كما فعل “ابو نواس، نزار قباني، زكريا تامر، محمد الماغوط، نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس”، ومن هناك يردد مع الشاعر: “بلادُ العُربِ أوطاني/ منَ الشّامِ لبغدان/ ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ/ إلى مِصرَ فتطوانِ”.
• أي الأمكنة التي تجتاحك رائحتها الآن، وترغب في أن تقضي عزلة مؤقتة فيها؟
لا شكّ في أنّ المدينة العربيّة المنفتحة على الذاكرة الحضارية مارست، وما تزال، إغواء كبيرا على مُخيلتي الثقافيّة. عندما تفتّح وعيي في مطلع الثمانينيات فُتنتُ ببيروت بوصفها ملاذًا للإبداع والحرية والثورة. وبعدها رحتُ أبحث عن حضور المدن الخالدة في الذاكرة والنصوص وهكذا قادتني القراءات لتلك المدن؛ فزرت بغداد بتأثير أبي نواس ووصفه الكرخ، وكذلك فعلت عندما زرت دمشق بتأثير نصوص نزار قباني وزكريا تامر ومحمد الماغوط، أما القاهرة فدفعتني إليها روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس.
من المتع الحقيقية السيرُ في شارع أبي نواس في بغداد ودروب المدرسة المستنصرية ومنعطفاتها، والتجوالُ في الأحباس في الدار البيضاء، والمدينة القديمة في تطوان، وجولةٌ في دمشق من باب توما إلى المسجد الأموي، هناك ينتابني إحساس مضاعف بقوّة التاريخ، وأنني أقيم على منعطفات الذاكرة.
أمّا المدن العالميّة فيشدّني حنينٌ إلى سان فرانسيسكو؛ وتحديدا إلى بيركلي، وجسر البوابة الذهبي، وجزيرة ألكتراز، ومارينا سان فرانسيكو حيث المدى قابل للامتداد والانفتاح عقلا وبصرا وروحا وثقافة. كذلك تحدوني الرغبة في تأملات على جسر نهر (Neckar) في هايدلبرغ.
لو أنّ للإنسان قدرة خارقة على امتلاك الزمن بأبعاده كلها لتمنيت رؤية المدن والموانئ الفلسطينية قبل احتلال فلسطين والعيش والتجوال فيها، ورؤية الجزائر وهي تلفظ المستعمرين الفرنسيين عن ترابها.
• في مثل تلك العزلة، ثمة كتاب تحنّ إلى قراءته بهدوء، أي الكتب تودّ مرافقتك هناك؟
وفق هذا التصوّر فإني لا أميل إلى العزلة ولا أرغب في الإقامة، لأنّ المدن تحفّز على التواصل. صحيح أنّ “مكابدة العزلة أيسر من مداراة الأخلاّء”، كما قال الجُنيد، غير أنّ وقود العزلة هو التجربة الإنسانية وهي تنفتح على الخبرات والعلاقات الإنسانية.
أمّا الكتب فسآخذ منها ما يكفي لعزلة مؤقتة، سأحمل معي القرآن الكريم، وكشّاف الزمخشري، وشرح مقامات الحريري للشّريشي. أما إذا أتيح لي إطالة أمد العزلة فسأحمل معي ديوان طاغور، ورواية مقبرة براغ لأمبرتو إيكو، ورسالة الغفران للمعري، وبصائر التوحيدي وذخائره، وأعمال بول ريكور والجاحظ.
• في العزلة، نحتاج لصفاء تام. يقال إن الموسيقى تأخذنا إليه، فأي موسيقى تهدهد روحك هناك؟
رائعة نيكولاي كورساكوف “ألف ليلة وليلة” ستكون تعويذتي السمعيّة، وتلاوة عمر القزابري للقرآن الكريم، كذلك قراءات محمود درويش لأشعاره.
• ما هي أجمل الصور التي تحبّ أن تراها في عزلتك؟
أحبّ من الصور التشكيلية لوحة الفنان الهولندي فان كوخ “الحذاء” التي مثّلت إلهاما فلسفيا لعدد من الفلاسفة ومنهم هايدغر الذي ألّف كتاب “أصل العمل الفني” من وحي حذاء فان كوخ.
وفي خضمّ تدمير مدننا العربية الخالدة واحتلالها بجيوش جاءت من فجاج الأرض الواسعة وتشريد الشعوب وتهجيرها، فإنّ الصورَ التي أرغب في رؤيتها صورُ المدن العربية وهي تسترد بهاءها في العمران البشريّ والثقافي وإقامة قوانين الحرية والعدالة والمعرفة وشروط الحياة الكريمة، وتشريعات محاسبةِ الفسَدة والمارقين و”أبناء الطوائف الضّالين”.
أريد رؤية أمة وُصفت بكونها “خير أمّة أُخرجت للناس”، ورؤية أرض “عليها ما يستحقُّ الحياة”.
• ستكون وحيدا، لو جنت العزلة ورفضت بقاءك مع نفسك وكتابك وموسيقاك، فأي الأشخاص تختار أن يكون قريبا منك؟
إذا تحقق ما أريدُ فإنني أرغب في رؤية ما أريد؛ أنْ أرى الجميع إذ ستغدو رؤيتهم أمرا مُبهجا. فعندما يسود العدل وتتحقق التنمية والعدالة والعمران وتنتشر المعرفة الفاعلة وتتوافر شروط الحياة الكريمة فإنّ العزلة ستغدو أمرا فائضا على الحاجات الإنسانية الطبيعية إلا إذا رغب المرء في سلوك سُبل المجاهدات والنأي بالنفس عن المشاهدات.

د. هيثم سرحان أكاديمي وناقد صدر له العديد من المؤلفات في مجال الأدب “الأنظمة السيميائية: دراسة في السّرد العربي القديم”، “خطاب الجنس: مقاربات في الأدب العربيّ القديم”، وصدر له في مواضيع أخرى: “استراتيجية التأويل الدلالي عند المعتزلة”، وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، وجمعية النقاد الأردنيين.

aziza.ali@alghad.jo

التعليق