ماجد توبة

قبل أن يجف حبر وثيقة "الداخلية"!

تم نشره في الاثنين 18 كانون الثاني / يناير 2016. 01:05 صباحاً

تعود قضية الجلوة العشائرية، والتعسف في تطبيقاتها، الى الواجهة مرة أخرى، بعد أن تصدرت أخبار جلوة عشائرية جديدة بمحافظة الكرك على خلفية جريمة قتل، مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين، وسط عجز لافت للدولة والمجتمع المدني حتى الآن، عن الحد من تفاقم هذه المشكلة المجتمعية، التي تخلف معاناة واسعة لآلاف الأسر.
الجلوة الأخيرة، المرافقة لقضية الكرك، تطال بحكمها أقارب وعشيرة الجاني إلى الجد الخامس، ما يعني توسيع دائرة العائلات التي ستعاني أشد المعاناة من تشريدها من بيوتها وأعمالها، لذنب اقترفه شخص واحد من العشيرة.
قد يكون الأكثر إثارة واستغرابا في "التعسف" الذي لف قضية جلوة الكرك الأخيرة، هو أنها تأتي فيما لم يجف بعد حبر الاتفاق الذي أعلنه وزير الداخلية سلامة حماد قبل أسابيع قليلة، والذي جاء فيه أنه تم الاتفاق بين مسؤولين كبار في الدولة وقضاة ووجهاء عشائر من مختلف مناطق المملكة، على تخفيض الجلوة العشائرية من الجد الثالث الى القاتل وأبنائه فقط!
عطوة الجلوة الأخيرة لم تخالف فقط الاتفاق الجديد، بل وعادت إلى الجد الخامس لعائلة الجاني، ولم تكتف بالجد الثالث. والأكثر استغرابا أنها جرت بمباركة حكومية، حيث ترأس نائب رئيس الوزراء وزير التربية د. محمد الذنيبات جاهة ممثلي أهل الجاني، وهو من صادق على صك العطوة وجلوة عشيرة الجاني.
صحيح أن للعادات العشائرية والتقاليد الاجتماعية سطوة قد تفوق في أحيان كثيرة سطوة القانون، وفي أحيان كثيرة تتقدم في التطبيق العملي على أحكام الشريعة، إلا أن من غير المفهوم أو المقبول أن تتنازل الدولة والقانون عن شرعيتهما، وتقران إلحاق المعاناة بعشرات الأسر أو مئاتها، كلما ارتكبت جريمة، فهو أمر غير دستوري أو قانوني من جهة، ومن جهة أخرى فيه تكريس لتراجع سيادة القانون وهيبته، وإغراء بمزيد من التطاول عليهما.
ليس المطلوب من الدولة والحكومة أن تثور في يوم وليلة على العادات والتقاليد في قضايا جرائم القتل والعرض، لكن المطلوب منها أن ترشد اللجوء إلى مثل هذه العادات، والتصدي للتعسف بها، وعدم ترك الحبل على الغارب بما يعتدي على سيادة القانون وروح الدستور وحقوق عشرات الأسر. قد تبدو المهمة صعبة أمام السلطات عندما تتصدى لمعالجة تداعيات جريمة قتل، فتستعين بالبعد العشائري لمنع تفاقم المشكلة، إلا أن ذلك لا يعني أن يسلم القانون بالظلم الذي يلحق بمئات الأبرياء، ويضرب استقرار عائلاتهم وأرزاقهم.
غير مفهوم ولا مقبول أن تتهرب الدولة من مسؤولياتها بحجة مراعاة الأبعاد العشائرية وفورة الدم، لتترك غيرها يتعسف بفرض شروط إنسانية وحياتية قاسية على مواطنين آخرين لا ذنب لهم إلا صلة الدم بجانٍ ما. لو تهرب المسؤولون الأوائل في بلدنا من مسؤولياتهم تجاه فرض سيادة القانون والدستور، لما انتهت العديد من العادات والسلوكيات، التي كانت مقبولة اجتماعيا وعشائريا، لكنها مرفوضة بدولة القانون، كما في عادات الغزو والعبودية وتزويج الطفلات وغيرها من عادات بالية، لا تستقيم مع تطور المجتمع وترسخ بنيان دولة المؤسسات والقانون.
ثمة حاليا نحو 305 قضايا عشائرية، تتضمن جلوات على طاولة النقاش العشائري، فيما يعاني آلاف المواطنين والأسر اليوم من التشرد بعيدا عن مساكنهم ومناطقهم عبر جلوات عشائرية، بعضها يمتد في الزمن لسنوات طويلة من دون حلول حتى الآن.
لا شك أنها مهمة صعبة أن يتم فرض القانون وسيادته في قضايا الجلوة العشائرية، فرغم أن المجتمع بكل أطيافه وعشائره، يضج من استمرار هذه القضية والتعسف فيها، إلا أن الحكومة والسلطات ماتزال تتردد في خوض هذه المعركة، تهربا -كما يبدو- من تحمل المسؤولية، وهو ما لا يمكن الصمت عليه أكثر.
هي معركة قانون ودستور وحقوق مواطنين، يجب أن تخاض اليوم قبل الغد.

التعليق