زليخة أبوريشة

التحرش بأوروبا

تم نشره في الثلاثاء 19 كانون الثاني / يناير 2016. 01:02 صباحاً

ها إنّ أمراضنا البشعة قد هاجرت إلى أوروبا مع من لجأ إليها طالباً النجاة من الحرب والموت. وليسوا "قلّة مندسَّةً" أولئك الذين حاصروا النساء في مدينة كولونيا الألمانيّة، في احتفال رأس السنة الميلاديّة، وباشروا باغتصابهنّ علناً وتمزيق ملابسهنّ وسرقتهن (هذه على البيعة). إنهم باسم جميع الذكور اللاجئين والمقيمين في بلدانهم، وباسم الثقافة العربيّة والإسلاميّة الراهنة التالفة من عميق معناها، مارسوا فحولتهم المضغوطة والمأزومة والمشحونة والمشوَّهة في اللحظة التي رأوا فيها أنثى حرةً وخارج سجنها (العفيف) في البيت.
ليس المتحرشون العرب الذين سوّدوا وجه الإنسانيّة، قلّةً أساءت إلى جماهير غفيرة من المسلمين لا تتعدى ولا تتجاوز حدودها! بل هم جزءٌ من آلة تحرُّشٍ ضخمةٍ هي الثقافة المعاصرة التي تربّي الذكرَ المسلم، منذ هو طفلٌ يحبو، على أنَّ اجتماعه بالأنثى في مكان واحد لا يمكن أن يكون محوره إلا الجنس. الثقافة التي تغذي خيال الذكر بعورة النساء، توقظ في جسده صلفَ الصياد القديم الباحث عن الفريسة وجوعه الأبديّ، فإذا وجدها هجم عليها مثل ثور، ومزَّقَ جسدها مع إنسانيّتها. الثقافةُ التي تؤكِّدُ في جميعِ مكوّناتها ومؤسّساتها على أنَّ المرأة عورة، شعرها عورة، جسدها عورة، بل وجهها عورة، بل صوتها عورة، بل حضورها عورة... الثقافة التي لا يكف دعاتها ولا المعلمون (وأيضا المعلمات) في المدارس، ولا تكف مناهجها وكتبها المدرسيّة، عن اعتبار المرأة عنواناً لفساد الأخلاق، بل وعاءً للشهوة، لا غير... الثقافة التي اختزلت العلاقة بين المرأة والرجل بالجنس... الثقافة التي شوَّهت إنسانيّة النساء وغسلت أدمغتهنّ وجعلتهن لدى أنفسهنّ كائناتٍ أدنى، اتكالياتٍ وعالةً... الثقافة المريضة بالجنسِ حوَّلت جنة الرضوان الرحمانيّ إلى مبغى ليس فيه إلا لذائذ الجسد وبصورةٍ همجيةٍ، يكون فيها الذكرُ محور آلاف الحور العين والكواعب الأتراب... الثقافة التي أنبتت أحزاباً ودعاةً ومشايخَ وفقهاء ومُفتين وشرائحَ عريضةً في المجتمع، ليس لهم من شاغلٍ غير المرأة، بين فوزٍ بها كموضوع جنسيّ، والسيطرة عليها وسحقها، كمصدر للفتنة. 
ليس المتحرشون بالنساء الألمانيات قلّةً مندسّة، بل هم جزءٌ من مجتمعٍ ذكوري قائمٍ في بلدانهم الأصلية، إذا تحرّش فيه الفتى أو اغتصب، إما خرسَ (أي المجتمع) ولم يُدِن أو يُناقش، أو أدان الضحيّةَ واقتصَّ منها.
فعلى ذلك، فإنَّ جميع البلدان التي جاء منها هؤلاء اللاجئون طرفٌ في الجريمةِ، وسببٌ فيها. فنحنُ بلدانٌ ما نزالُ نربّي الذكر على التحرّش، وعلى تحليلٍ ضمنيٍّ له، ما دامت المرأةُ في عقولنا محضَ شيءٍ وجنسٍ وشهوةٍ وشيطان!
وما دامت المرأة، في ثقافة المجتمع، صوتاً ووجهاً وجسداً ووجوداً، عورةً وفتنةً ومسؤولةً عن انحراف الذكور وجرائمهم.
الجميع مدانٌ في التحرش، لأنَّه إما ضالعٌ فيه عياناً، أو صامتٌ عليه.
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق