أفرقونا بتنحل!

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016. 01:01 صباحاً

في أفريقيا قبيلة اسمها "جوبيس"؛ غارقة في الجهل، ولا يحب أفرادها ثرثرة النساء. فكان الحل أنهم يجبرون نساءهم عند الزواج على ثقب ألسنتهن؛ حيث توضع فيه حلقة مستديرة كخاتم الخطوبة، ويوضع في الحلقة خيط طويل يمسك الزوج طرفه. فإذا ما استغابت الزوجة أمه وأخواته، قام بسحب الخيط، لتبدأ بكيل المديح لهن؛ وإذا "نقّت" أنها ترغب في شراء فستان مطرز بصدف البحر لحفل خطوبة بنت زعيم القبيلة، يشد الخيط ويخليها تحضر الحفلة بفستان من قشر البطيخ. إما إذا قالت له "عازمة جاراتي على مشاوي ضفادع"، فإنه "بسحب الخيط يخلي الضفادع في قارة أفريقيا تقف مبهورة من سرعة قفزاتها! لذلك، تجد الرجل يسهر في العريشة؛ بيد "يفصفص" بزرا، وباليد الأخرى يمسك الخيط ليسمع فقط الحديث الذي يناسبه ولا يعكر مزاجه!
عادة هذه القبيلة مرفوضة ومستهجنة وغير مقبولة، ولا يقبلها عاقل. لكن، مللنا من الكتابة عن عراقة الديمقراطية في الدول الغربية، وكيف أنها هي ما ساهم في نهضة هذه الدول؛ كما مللنا من نقل الأمثلة عن كيفية حرص النائب في تلك الدول على حضور الجلسة "متلفحا" بالبطانية من شدة البرد والأنفلونزا، حتى لا يغيب عن مناقشة أحد القوانين؛ ومللنا من التذكير أن الأردن، تاريخا ورجالا وموقفا، له في أعناقنا دين أن نحافظ على تضحيات هؤلاء ونبل مواقفهم وصبرهم، بأن نرتقي دائما بعمل مؤسساتنا بما يليق بهيبة وسمعة هذا البلد العظيم!
أثناء مناقشة موازنة الدولة، والتي من المفروض أن تناقش أرقامها بأهمية بالغة -فتلك الأرقام هي فقط ما يعبر عن تقدمنا وإنجازنا وأمننا واستقرارنا- تركنا الأرقام وناقشنا حاجة بعض المناطق الماسة للصرف الصحي. آذاننا كانت صاغية تنتظر رقما يعبر، أو رقما يبرهن، أو رقما يدلل.. لكن كانت الكارثة أن عقولا في هذا الظرف الدقيق والحساس من تاريخ الوطن لم تكن في الصرف المالي.
مناقشة الموازنة في أي دولة، تنحصر بآلية صرفت المخصصات، وأين تصرف المساعدات؛ ولماذا لم يصرف على بعض القطاعات؛ وكم صرف على المياومات والمكافآت والسيارات. وحين يحضر الصرف الصحي وتغيب المناقشة الحقيقية لأوجه الصرف المالي، ندرك حجم المأساة وعلى ماذا يدلل تفكيرنا!
من توسعة شارع، إلى ضرورة وضع "مطب"، إلى وجود نقص في كادر الولادة في أحد المستشفيات، إلى حاجة المواشي لزيادة كمية الشعير، والصيصان للتدفئة في الشتاء، إلى ضرورة دعم البلدية بضاغطة نفايات، إلى مشكلة عدم وجود خط باص يخدم إحدى القرى. نناقش أهم قوانين الدولة، ولا نسأل فقط كيف أن موازنة دولة لا تتغير فلساً واحدا سواء كان سعر البترول 150 دولارا أو 30 دولارا!
بصراخهم، بشتائمهم لبعضهم بعضا، بثرثرتهم.. عاد بنا البعض إلى العصور الوسطى. لذلك، لم يعد يصلح أن نستفيد من تجارب الأنظمة الغربية، بل أصبح ما يصلح لنا أفكار قبائل أفريقية. ومثلما يحصل النائب على "نمرة"، نشترط أيضا أن يوضع لبعض النواب الذين تركوا البلاوي وثرثروا بغير الملحّ، "حلقة".. ابن حلال "بشد هالخيط"!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما اروعك (خلدون)

    الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016.
    من اروع ما قرأت يبهرنا اسلوبك البسيط في الكتابة والاهم انك لاتترك موضوعا يهم العامة الا وتتطرق اليه مبدع مبدع مبدع
  • »تم اختيار الاضمن!!!!! (إسماعيل زيد)

    الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016.
    شكراً على المقال الرائع كعادتك ولكنني حقيقة أشفق على نوابنا الأكارم فقد يتم وضع حلقتين لهم وحبلان أحدهم بيد الحكومة فإن تحدثوا بما يقلق منامها الطويل شدت حبلها والحلقة الثانية حسب اقتراحك سيدي. وأظن أن نوابنا الأكرم اختاروا الحلقة التي تحدثت عنها انا لأن النائب يأتي بالانتخاب فمن يضمن للنائب بأنه سيتم اعادة انتخابه لو وقف مع الشعب الكريم؟ ولكن لإ وقف مع الحكومة خوفا من شد الحبل فإن الحكومة وعرفانا له بالجميل قد تقوم بتعيينه بمنصب وزير أو رئيس مجلس أدارة إحدى المؤسسات المستقلة ما يعني أنه كسبان من طرفين فإن تم أعادة انتخابه خير وان لم يتم ذلك فإنه سيكون من المقربين من الحكومة وسيجد ما يحتاجه.
    من وجهة نظري المتواضعة ولو كنت عضوا في مجلس النواب كنائب فانني ساختار الخوف من حلقة الحكومة وحبلها وهو الاضمن.
    حمى الله الاردن.