رنا الصبّاغ

ملف اللجوء الأممي

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً

زعماء دول أوروبية، وتحديدا ألمانيا، يعضّون أصابعهم ندما على فتح بلادهم أمام تدفق مليون لاجىء العام 2015؛ معظمهم سوريون هربوا من بطش تنظيم "داعش" وآلة قمع النظام، أو خشية سقوطهم بيد كوكتيل المعارضة، وغارات التحالف الدولي والروسي على "دولة الخلافة" ومعارضي النظام.
كان بإمكان تلك الدول تدارك تلك المصيبة الإنسانية، بما تشكله من تهديد لهوية أوروبا ومواردها، لو هبّت لنجدة اقتصادات دول الجوار السوري، وفي مقدمتها الأردن الذي استوعب -بحسب الأرقام الرسمية- مليونا و300 ألف سوري، منذ اندلاع الحرب في هذا البلد ربيع 2011، أي 14 % من سكان المملكة.
دول الجوار السوري، بما فيها تركيا ولبنان، فتحت أبوابها للفارين من لهيب المعارك. لكنها لا تستطيع توطينهم بسبب ضيق ذات اليد، ومحدودية فرص العمل والموارد وخدمات التعليم والسكن والصحة. فلو أوفت أوروبا بالتزاماتها الأخلاقية والانسانية والسياسية تجاه هذه الدول، لبقي معظم اللاجئين في المنطقة، ولما اضطروا للمخاطرة بحياتهم في غياهب الهجرة، وصرف كل مدخراتهم لتمويل جشع مهربي البشر.
على أن أوروبا لم تقدم الحد الأدنى من واجبها، بحسب مسؤولين أردنيين يشعرون بالقلق حيال انكماش الاقتصاد أمام ضغط اللاجئين غير المسبوق على موارد المملكة ومقدراتها الشحيحة أصلا. مساهمات القارة وسائر المجتمع الدولي، لم تغط إلا نسبة ضئيلة من التكلفة السنوية الباهظة لاستقبال اللاجئين، وهي تتراوح بين ثلاثة وخمسة آلاف دولار للفرد الواحد. وبالتالي، أدّى "تطنيشها" إلى استنزاف موارد دول الجوار، وخلخلة مؤشرات التنمية فيها، ما ينذر بتهديد السلم الأهلي.
ببساطة، غضّت أوروبا الطرف عن معاناة اللاجئين، كما لم تتدخل سياسيا لحل الملف السوري، وصمّت آذانها أمام صرخة الدول المضيفة قبل أن تشتد وتائر الهجرة صيف 2015، لتضع دول القارة العتيقة أمام أكبر مأزق إنساني وتحد مكلف سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا.
معادلة اليأس دفعت عديد لاجئين صوب رحلة البحث عن مستقبل آمن في أوروبا أو أميركا وكندا أو البرازيل.
لنفكر معا بأثر رجعي. لو منحت دول أوروبا مجتمعة دعما ماليا بحدود 11 مليار دولار للدول الثلاث المجاورة لسورية، لاستطاعت هذه الأخيرة توفير سكن أفضل وخدمات تعليم ومساعدات غذائية جيدة للاجئين، ما يخفض مغريات الهجرة إلى أوروبا. ويرى دبلوماسيون اليوم أن بلدا مثل ألمانيا -التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين- ستضطر لتخصيص قرابة 21 مليار يورو سنويا، لسنوات عديدة مقبلة، للتعامل مع ملف إيواء اللاجئين.
واليوم، تواجه أوروبا تحديات أمنية، يفاقمها عدم إخضاع غالبية القادمين الجدد لمسوح أمنية تدل على هوياتهم وانتماءاتهم. وغالبيتهم لا يتكلمون لغات أوروبا المتعددة، وتخرجوا من نظم تدريس لا تؤهلهم للتأقلم داخل هذه المجتمعات المدنية أو العمل فيها، بسبب فجوة المعرفة. وهم لا يشاطرون سكان أوروبا القيم الثقافية والمجتمعية ذاتها، أو الموروث الديني. ويفاقم الوضع أن غالبية اللاجئين من الشباب والرجال، ما قد يخلق مشاكل اجتماعية جمّة. ويستذكر الألمان حالات التحرش المتعددة التي عايشتها فتيات في كولونيا ليلة رأس السنة، بينما تجنح الولاءات السياسية لمواطني دول أوروبا إلى اليمين المتطرف.
من البدهي أن كلفة استيعاب اللاجئ في ألمانيا، مثلا، تفوق أضعاف الكلفة في بلد مثل الأردن. كما أن نفقات المعيشة ومعايير حقوق الإنسان المتقدمة تقع ضمن أجندات تلك الدول في تعاملها مع اللاجئين، ما يعني أنها مجبرة على توفير إقامة وعلاج ومستوى تعليم لائق يقارب ما توفرّه لمواطنيها. فلا يمكنها إيواء القادمين الجدد في "كرافانات" أو خيم، في بلاد شتاؤها قارس وشمس صيفها حادّة. وهناك علاج طبي وأدوية بالمجان، وفوق ذلك مخصصات إعانة شهرية، وإذن عمل وإقامة متعددة الأشكال، وصولا إلى نيل الجنسية في بعض الأحيان. أما اللاجئون في الأردن ولبنان، مثلا، فلا يحق لهم العمل، مع أن عشرات الآلاف منهم يتسربون إلى سوق العمل من دون تصاريح رسمية بأجور متدنية، وبالتالي يفاقمون أزمة البطالة المستعصية.
أمام ضيق الحال وانطفاء شعلة الأمل، يجازف سوريون بركوب أكبر موجة لجوء إلى أوروبا، كما حصل الصيف الماضي. وطريق الآلام تمر مشيا على الأقدام عبر تركيا، ومنها بحرا إلى أوروبا، ثم براً عبر دول البلقان أو مباشرة إلى غرب أوروبا في قوارب الموت، بعد أن أمضوا سنوات في الأردن أو لبنان أو تركيا.
فقدوا الأمل بحد أدنى من الحياة الكريمة، حين لم تستطع دول الجوار استيعابهم لأنها تعاني من أزمات مالية تؤثر أيضا على نوعية الخدمات المقدمة لمواطنيها، كما أنها لم تحصل على دعم خارجي مناسب. وفي ظل هذه الكماشة التي تنطبق على اللاجئ والمواطن على حد سواء، تنامت مشاعر مضادة للاجئين بين مواطني هذه الدول.
اليوم، "بعد خراب مالطا"، تسعى دول أوروبا إلى إبقاء اللاجئين في الدول المجاورة لسورية، من خلال ترتيبات جديدة؛ مثل تقديم مساعدات لهذه الدول لتوطينهم من خلال تحسين البنى التحتية في المخيمات وأماكن إقامتهم في القرى والمدن، وبخاصة في الشمال الأردني المتاخم للأراضي السورية. وهناك مسعى لتحسين برامج التعليم والصحة، ومنحهم أذون عمل مع تشجيع مصانع أوروبية على فتح فروع لها هناك لتشغيل السوريين.
فغالبية المسؤولين الأوروبيين باتوا على قناعة اليوم بأن حكوماتهم التي انساقت وراء ألمانيا ارتكبت خطأ تاريخيا بفتح أبواب اللجوء من دون قيود لمئات الآلاف، بمن فيهم السوريون. واكتشفوا أن البنية التحتية في أوروبا غير مؤهلة لحماية القادمين الجدد ومنحهم مقومات اللجوء المتناغمة مع قوانين بلادهم. والحال أن من الصعب انخراط غالبية اللاجئين في المجتمع، وبالتالي ستتحول هذه الغالبية مستقبلا إلى عبء ثقافي وسياسي واجتماعي يهدد هذه الدول، مثلما يحصل في فرنسا، مثلا.
بتأخرهم في معالجة أزمة اللجوء السوري في المنطقة، يجازف صنّاع القرار في أوروبا بارتفاع منسوب الكراهية ضد الأجانب؛ لاسيما العرب والمسلمون، وبالتالي منح ساسة متطرفين منصّات للصعود إلى الحكم، مستغلين الهواجس التي شكّلتها موجات الهجرة للأوروبيين. وهذه الحتمية ستزيد حسياسات القارة الهرمة صوب اليمين المتطرف، وتؤثر على تركيبة مجتمعاتها الليبرالية المتسامحة، التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية.
إذن، لنستعد لتقبل فكرة بقاء الأشقاء السوريين بيننا لسنوات عديدة. فالحل السياسي قد يتأخر وسط اختلاط الأوراق مجددا واتساع شق النزاعات بين الدول الفاعلة في الأزمة السورية، لاسيما إيران والسعودية. ووضع النظام السوري يتعزز بعد تدخل حليفه الروسي. فيما الدول الأوروبية والولايات المتحدة والعرب ما يزالون منقسمين حول كيفية التعامل مع نظام بشار الأسد. كما أن تنظيم "داعش" يقوى ويتمدد. والفوضى ستستمر تاركة المنطقة فوق برميل بارود.

التعليق