الحرب الباردة في الشرق الأوسط

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً

بيرنارد هايكل*

برينستون- يشكل قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية نقطة تحول خطيرة في منطقة غير مستقرة وتمزقها الحرب بالفعل. وكانت الشرارة إعدام السعودية لنمر النمر؛ الشيخ الشيعي الراديكالي الذي كان قد دعا إلى إنهاء الملكية في البلاد. ولكن جذور هذا التمزق تعود إلى التنافس الاستراتيجي الذي يمتد في طول الشرق الأوسط وعرضه.
تمتدح التوترات بين البلدين إلى عقود عديدة خلت، ولكنها أصبحت أكثر حدة بعد الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979. وفي ذلك الحين، لم يخفِ قائد الثورة آية الله روح الله الخميني مشاعره تجاه العائلة المالكة السعودية، وقام بسرعة بتقديم بلاده على أنها بطلة "للمظلومين" ضد "قوى الغطرسة" -الولايات المتحدة الأميركية ووكيلاتها المحليات، أي السعودية وإسرائيل.
ولكن، بينما تظل هناك عناصر طائفية وإيدولوجية لتلك المنافسة، فإنها في نهاية المطاف نزاع براغماتي على المصالح الإقليمية. ونظراً إلى أن إيران تنظر إلى النظام السياسي في العالم العربي على أنه يخدم مصالح أعدائها، فقد سعت باستمرار إلى الانقلاب عليه، وذلك بتشجيع المجموعات الإرهابية ونشر مجموعات تابعة لها من أجل توسيع نفوذها في المنطقة، كما توجد عناصر من غير الحكومات، والتي حظيت بالدعم الإيراني، ومن بينها الحجاج المشاغبون في مكة، والانتحاريون في لبنان، ومقاتلو حزب الله الذين اشتبكوا مع إسرائيل ثم انخرطوا مؤخراً في معركة ضد مجموعات الثوار التي تدعمها السعودية في سورية.
حتى بداية هذا القرن، كان الرد السعودي فاتراً. فقد سعت السعودية إلى ترسيخ شرعيتها الإسلامية من خلال التطبيق الصارم للتعاليم الدينية في الوطن، ودعم قضايا التحرر الإسلامي في الخارج، وخاصة في أفغانستان والبوسنة. ولكن العقود الأخيرة شهدت سخونة في الحرب الباردة بين القوتين الإقليميتين.
بعد أن أدى غزو العراق سنة 2003 إلى تشكيل حكومة يهمين عليها الشيعة في بغداد، شعر حكام السعودية بالخطر وهم يشاهدون إيران توسع نفوذها عبر الشرق الأوسط. وفي سنة 2006 قاتل حزب الله إسرائيل حتى وصل القتال إلى طريق مسدود. وفي سنة 2014 قام الحوثيون الشيعة -مجموعة أخرى تابعة لإيران- بغزو عاصمة اليمن. وفي القصور الملكية في الرياض، بدت إمكانية حصول انتفاضات بدعم إيراني في البحرين –أو في السعودية نفسها- احتمالية معقولة بشكل ينذر بالخطر.
ثم بلغت الأمور ذروتها سنة 2015، عندما توصلت الولايات المتحدة الأميركية والأعضاء الخمسة الدائمون الآخرون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (بالإضافة إلى ألمانيا) إلى اتفاق نووي مع إيران؛ حيث اتفقوا على رفع العقوبات الاقتصادية، مع السماح لها بالاحتفاظ بنفوذها الإقليمي. ومع وجود حلفاء لإيران أو وكلاء لها ينشطون في سورية والعراق ولبنان واليمن، شعر القادة السعوديون بشكل متزايد بأنهم محاصرون. ومنذ أن تولى سلمان بن عبد العزيز آل سعود مقاليد الحكم في كانون الأول (يناير) 2015، أصبح هدف المملكة الاستراتيجي الرئيسي هو الحد من النفوذ الإيراني، سواء بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية أو بدونها.
كانت ساحات المعارك الرئيسية لهذا التنافس في سورية واليمن. ففي سورية، كرست السعودية نفسها للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، وهو حليف رئيسي لإيران، وعملت على توحيد مجموعات المعارضة غير المنظمة. وفي المقابل، استمرت إيران من جانبها بدعم الأسد بمساعدة روسيا.
تحولت الحرب إلى مستنقع. ومع فشل أي طرف في أن تكون له اليد العليا فيها، فإن من المرجح أن تستمر. وقد فشلت جهود قادتها الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً للتوصل إلى اتفاق سلام في لبنان، على أمل أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إحداث اختراف في سورية، وذلك بسبب انعدام الثقة بين البلدين. وكانت اتفاقية تقاسم الحكم المقترحة سوف تستبدل أحد حلفاء الأسد، وتنصب أحد رجال السعودية منذ فترة طويلة كرئيس للوزراء، ولكن بينما بدا أن السعودية راغبة في قبول الصفقة، رفضتها إيران بعد رفض حزب الله لكلا المرشحين.
وفي اليمن، شنت السعودية وحلفاؤها السنة حملة عسكرية في آذار (مارس) 2015، والتي وصلت بسرعة إلى طريق مسدود أيضاً. وقد دخل الحوثيون الموالون لإيران والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح في قتال مع قوة من اليمنيين الجنوبيين، بدعم من القوات الجوية والقوات الخاصة السعودية والإمارتية. وانهارت المفاوضات لحل الصراع. وفي غياب غزو واسع النطاق -وهي احتمالية غير واردة نظرا لإمكانية وقوع الكثير من الضحايا- فإن من شبه المؤكد أن الحرب ستطول.
كان إعدام السعودية للنمر جزءا من حملة واسعة تستهدف المعارضة المحلية. وكان الشيخ واحداً من 47 شخصا تم إعدامهم بتهم الإرهاب، وجميعهم -باستثناء أربعة- كانوا من المتمردين السنة المتهمين بدعم القاعدة. وجاء رد فعل إيران وحلفائها على شكل احتجاجات معادية للسعودية -ليس فقط في طهران حيث تم نهب سفارة المملكة هناك، وإنما أيضاً في العراق والبحرين، وحيث يعكس هذا الرد عمق العداوة الثنائية الكامنة.
على المدى القصير، استفاد حكام السعودية من الرد الإيراني بحشد السنة في المملكة وخارجها وإسكات معارضيهم الجهاديين. ولكن، في غياب أي تدخل خارجي لجلب البلدين إلى طاولة المفاوضات، فإن تنافسهما سوف يعرقل الجهود المبذولة من أجل تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، ويمكن أن يؤدي إلى المزيد من التصعيد على نحو يجعل الوضع الإقليمي السيئ أكثر سوءا بكثير.

*أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق