مسائل هوية

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً

معاريف

عاموس جلبوع   19/1/2016

عملية القتل التي قام بها نشأت رفعت إلى السطح مسألة السكان العرب في إسرائيل. فقد انقض عليهم اليمين ككارهين للدولة، بينما عانقهم اليسار بمحبة؛ اليمين اجرى تعميما من القاتل حول دوافعه، اما اليسار، بحماية دينية، فرفض التعميم رفضا باتا؛ اما اليسار المتطرف فقد حرض على ثورة عرب إسرائيل ضد النظام القمعي لحكومة إسرائيل. وهاكم هنا خمس ملاحظات واضاءات، فيما أن نقطة المنطلق هي المصلحة الإسرائيلية، دون صلة باليمين او باليسار.
اولا، السكان الناطقون بالعربية في دولة إسرائيل يصل عددهم إلى نحو 1.4 مليون نسمة، هم نحو 20 في المئة من سكان الدولة (وهذا العدد لا يتضمن نحو 300 الف عربي من شرقي القدس). هؤلاء السكان، الذين هم في اغلبيتهم الساحقة مسلمون سنة، ليسوا مصنوعون من جبلة طائفية دينية واجتماعية واحدة، وهم يشملون الدروز والشركس، المسيحيين والبدو. حتى وقت قصير مضى كانت نسبة الولادة لدى هؤلاء السكان (باستثناء المسيحيين الذين هم اكثر تعليما) كانت اكثر من ضعف معدل الولادة لدى السكان اليهود، ولهذا فقد قدر خبراء مختلفون بانه منذ اليوم يتعين على عرب إسرائيل ان يشكلوا اكثر من 25 في المئة من عموم السكان. وبسبب الحداثة السريعة التي يمر بها المجتمع التقليدي العربي، فتكاد الفجوة تغلق وهي تبلغ الان 3.17 طفل للمرأة العربية و 3.11 للمرأة اليهودية (وليس فقط بفضل الاصوليين!).
 ثانيا، اجمالي الاستطلاعات التي اجريت في السنوات الاخيرة تبين بوضوح ان السكان العرب يفضلون في اغلبيتهم الساحقة العيش في إسرائيل، خير لهم هنا؛ وهم يرون انفسهم جزءا من المجتمع الإسرائيلي ويعتقدون أن هذه هي مصلحتهم. وبتعبير آخر فان اغلبية عرب إسرائيل يريدون الاندماج. وفي نفس الوقت يوجد لنصفهم (ليس لدى الدروز والمسيحيين) احساس بالتمييز المؤطر وشعور بأن المجتمع الإسرائيلي يتبنى مواقف عنصرية (الأمر الذي تؤكده بعض الاستطلاعات).
 ثالثا، في كل ما يتعلق بالهوية، فإننا امام وضع كثرة الهويات: نحو ثلثهم يعرفون انفسهم كإسرائيليين (لدى الدروز أكثر من الثلثين)؛ نحو ثلثهم يعرفون انفسهم كفلسطينيين، نحو الثلث لا يعرفون أنفسهم لا كفلسطينيين ولا كإسرائيليين. وفي نفس الوقت فان الاغلبية لا تعترف بحق إسرائيل في ان تكون دولة يهودية – صهيونية، ولكنهم يسلمون بهذا الواقع.
رابعا، القيادة السياسية والثقافية لعرب إسرائيل توجد في الطرف الاقصى السلبي، الذي يرفض تماما حقيقة أنه يوجد على الاطلاق قومية يهودية ويقاتل كل خطوة فيها ما يدفع إلى الامام الاندماج في حياة الدولة او الالتزام نحوها.  بالاجمال، امامنا صورة مركبة، ليس فيها أسود وأبيض. على هذه الخلفية فان استثمار 15 مليار شيكل في السكان العرب في خمس سنوات، استثمار كان يمكن أن يحلموا به فقط، هو خطوة لا توجد اكثر مباركة منها. المشكلة هي ان نتنياهو، على عادته، يعرف كيف يركل دلو القشدة في الوقت الذي طرح فيه شروطا أو خلق انطباعا بان كل هذا المبلغ الهائل منوط بالسلوك السوي للسكان العرب.   هل هذا الاستثمار (بدون شروط!) يمكنه ان يدفع إلى الأمام الاعتراف بدولة إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي؟ هذا منوط اكثر بالاستعداد لاعتراف كهذا من جانب قيادة الفلسطينيين، ولكنه يمكنه على الاقل ان يقلل من احاسيس عدم المساواة بين عرب إسرائيل. كيف قال لي ذات مرة طارق عبدالحي الراحل، رئيس بلدية الطيرة العربية: "اريد أن أكون مثل كفار سابا، قبل أي شيء آخر".

التعليق