فضل العبادة في زمن الفتن

تم نشره في الجمعة 29 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

في هذه المرحلة من عصرنا وتاريخنا، تمور الفتن موراً عظيما. إذ انتشرت الفواحش والمسكرات والمخدرات بين أبناء المجتمعات الإسلامية في البداية. ثم ظهرت اليوم سلوكيات غريبة تمثل أمراض المجتمعات الحداثية؛ فتخلى أبناء عن آبائهم وأصبحت دور المسنين تزداد أعدادها ومنتسبوها، وأصبحت الروابط مع الجيران واهية جداً، بل وحلّت مكانها أسوار عالية برغم أن المسافة بين الجيران في البيوت المنفردة تقلصت وأصبحوا يتشاركون فقط المصعد والفسحة التي أمامه وموقف السيارة!
تلا ذلك تسرب المعتقدات والأفكار الباطلة بين أفراد المجتمعات الإسلامية؛ فشهدنا موجة من الإلحاد عمّت وصبغت الكثير من الهيئات السياسية والثقافية بصبغتها، حتى تورط بعض الشباب بعبادة الشياطين، وآخرون مؤخرا -وتحت شعارات التنمية البشرية والتحفيز- تم تمرير المعتقدات الشرقية الوثنية لبنائهم المعرفي.
رافقت هذا كله ماكينة إعلامية تعمل ليل نهار على إغواء الجمهور وإشغاله عن مصالحه وما ينفعه، بالترفيه التافه والصورة الجذابة فيما يشبه عوالم الإدمان.
إلا أن هذه الفتن لم تتمكن من القضاء على حصانة الأمة المسلمة واعتزازها بهويتها الإسلامية، بل تمكنت هذه الأمة من الصمود في وجه هذه الرياح العاتية والأمواج الهائجة من الفتن. ويتمثل ذلك في انتشار المساجد وتزايد المصلين وانتشار الحجاب –برغم أن قطاعا واسعا من المحجبات لا يتقيد بالشروط الشرعية- واهتمام المسلمين بتعلم أمور دينهم والحرص على نبذ الربا فكان أن ازدهر القطاع المصرفي الإسلامي، وانتشرت الفضائيات الإسلامية قبل أن يغلق جزء كبير منها.
لكن بقيت مخططات الأعداء جاهزة ومستعدة للقضاء على الأمة المسلمة ونهب خيراتها ومنع عودة وحدتها وقوتها، وضمان سلامة إسرائيل. وفعلاً، تم استغلال "الربيع العربي" والثورة المضادة عليه، وما حدث من خلط للأوراق وتضارب في المصالح وتباين في التحالفات، لاستكمال مخططات إضعاف الأمة وتفتيتها، مما أدخل الأمة في فتن عظيمة من القتل بمئات الآلاف للأبرياء وأضعافهم من المصابين والمعاقين والمساجين، فضلاً عن جرائم اغتصاب الحرائر، وملايين المشردين، وهدم المساجد وإبادة المدن الأبية، وتجويع آلاف الصابرين.
فقد اتفق الفرقاء الدوليون والإقليميون المتشاكسون على إدارة الصراع في منطقتنا بما يضمن سلامة إسرائيل بالدرجة الأولى، وتفتيت دولنا وتدميرها وقتل مئات الآلاف من المسلمين لفتّ عضد المؤمنين وتركيعهم.
ومن يتابع أخبار المفاوضات تحت الإشراف الدولي في ليبيا وسورية واليمن، يدرك بوضوح مدى التحيز الأممي للظلمة والطغاة، وأن المطلوب هو حماية هؤلاء الإرهابيين الذين قتلوا الجماهير بأبشع الصور ودمروا البنية التحتية وشردوا الملايين أولاً، ثم مكافأتهم على جرائمهم بمنحهم الحصانة من العقاب وضمان بقائهم في السلطة من موضع قوة وغلبة ثانياً!
في ظل هذه الفتن العظيمة، لابد من تذكر الوصية النبوية العظيمة لمعالجة هذه الفتن، إذ روى معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العبادة في الهرج والفتنة كهجرة إليّ" (صححه الألباني).
وقد يظن بعض الناس أن المقصود هو اعتزال الناس وأمور المسلمين والانشغال بالصلاة والصوم والدعاء والذكر فحسب، لكن هذا يتناقض مع أمره صلى الله عليه وسلم بالاهتمام بشؤون المسلمين حين قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه مسلم).
وهذا الإشكال يزول حين نستحضر مفهوم العبادة في الإسلام، إذ هو مفهوم أعمّ وأشمل من الشعائر والطقوس في كثير من الأديان السماوية السابقة أو الأديان الوضعية.
فالعبادة في الإسلام -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- "هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة". إذ إن العبادة في الإسلام تشمل الشعائر والسلوك والأفعال العادية والأقوال العامة إذا كانت ترضي الله ويقبلها. فالحديث الصادق عبادة، وعيادة المريض عبادة، والرفق بالحيوان عبادة، ومساعدة المحتاج عبادة، وعدم ازعاج الآخرين عبادة، وعدم نشر الإشاعات عبادة، والتقيد بالنظام عبادة، وقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام، الآية 162). 
ففي زمن الفتن، حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على التزام العبادة، وشرح ذلك القرطبي فيما نقله عنه ابن حجر في الفتح: "إن الفتن والمشقَّة البالغة، ستقع حتى يَخِفَّ أمر الدين، ويَقِلَّ الاعتناء بأمره، ولا يَبْقَى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشِه نفسِه، وما يتعلق به؛ ومن ثَمَّ عَظُم قدرُ العبادة أيام الفتنة".
فالمطلوب من المسلم في زمن الفتنة التمسك بالعبادة، والتي تعني الثبات على طاعة أمر الله عز وجل:
- من القيام بالفروض الدينية، كالصلاة والصيام والدعاء وغيرها.
- عدم المشاركة في الفتنة بالقتل والإيذاء، والإخلال بالنظام العام ونشر الشائعات وترويجها وقبولها، ونصرة الظالمين ماديا ومعنويا.
- مقاومة الفتنة بنصرة العدل والحق والثبات على تأييد أتباعهما، وعدم الإنجرار خلف الدعوات الباطلة التي تنصر الظالمين والطغاة والطائفيين والإرهابيين.
- معالجة آثار الفتنة بدعم المظلومين ومساعدتهم والقيام على خدمتهم ورعايتهم.
هذه الأعمال كلها من العبادة في الفتنة، والتي من قام بها وانشغل بها كان كمن فارق ديار الظالمين وترك وطنه وماله وأهله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه رغبة في الحق والعدل والسلام والإيمان. وهذا الصنف من الناس قليل العدد، يماثل قلة الذين اتبعوا الرسول وهاجروا إليه في بداية الإسلام.
قال الحافظ ابن رجب: "وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتَّبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهاً بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسَّك بدينِه ويعبد ربَّه، ويتَّبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة مَن هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، متبعاً لأوامره، مجتنباً لنواهيه".
ومن هنا يتضح لنا أن مفهوم العبادة في الإسلام هو مفهوم شامل لكل حالات الإنسان؛ فرداً وجماعة، يتعامل بإيجابية مع كل الأحوال، في حالة السراء والضراء، كما أنه حريص دوماً على التمسك بالحق والعدل ونصرة الضعفاء ومحاربة الظالمين والطغاة، ولا يقبل ردود الأفعال المنفلتة والمتهورة، وينبذ روح الانتقام والثأر الظالمة والعمياء، لأنه يقوم على العدل بالاقتصاص من المجرمين دون غيرهم.
هذا المفهوم الشامل للعبادة هو الذي يمنح أمتنا عزيمة البقاء والصمود في وجه كل هذا العدوان البربري الذي تواجهه، لأن أبناء الأمة يؤمنون بكل ثقة أنهم الفائزون بالجنة إن قُتلوا مظلومين وأنهم الفائزون بالجنة بالصبر والثبات على إسلامهم في وجه آلة العدوان التي تقتلهم لأنهم مسلمون فحسب.
إن آلاف الحالات التي وثقتها الكاميرات من استقبال الصواريخ بالتكبير والتهليل والحرص على ذكر الله أو الحرص على حجاب المسلمات وهن يُنتشلن من تحت الأنقاض، لتجسد بكل وضوح أن الإيمان بالله عز وجل والتزام طاعته في السراء والضراء والصبر والثبات على عبادته في أحلك الظروف، أمر أصيل في الأمة المسلمة. وأمة كهذه قد تضعف وقد تصاب وقد تهزم هنا أو هناك، لكنها أبداً لن تموت.

التعليق