في ميلاد الملك الرابع والخمسين.. جلالته يحصن المملكة بأمن منيع و اقتصاد كريم

تم نشره في الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2016. 01:32 مـساءً

عمان – الغد- يطوي الملك عبدالله الثاني عاما جديدا، وسط تراكم واضح لمنسوب الخبرة السياسية، التي تظهر جلية عبر تعاملات جلالته الحذرة مع ملفات الإقليم الملتهبة. وإذا كان ملف السياسات الخارجية والعامة، في حوزة الملك، فإنه استطاع مجاراة العتيقين من الساسة، بعد أن أدار جملة من الأزمات بحنكة ومهارة.
تسجيل هذه الخبرة والحنكة للملك لا يقتصر على المقربين من جلالته، بل يمكن ان يقرأ من الإجماع الواضح في الإشادة الشعبية والرسمية، وحتى الدولية، بحكمة القائد، الذي استطاع أن يقود مملكته إلى بر الأمان، متجاوزا عواصف الإقليم، وكوارث المنطقة. وذلك امتياز سجله الملك متقدما فيه على مدارس عريقة في الحكم، زعزعتها، بل أزالتها سنوات "الربيع العربي"، التي انتهت مبتعثاتها، واستقرت تداعياتها.
وفيما يحتفل الأردنيون بميلاد الملك الرابع والخمسين، فإنهم يلاحظون على قائدهم، اتساع مساحة الشيب في رأسه، واتساع مساحات الحكمة في عقله، واتساع مساحات الصبر في صدره، أمام تعامله مع تحديات صاخبة، ليس آخرها الحرب على الإرهاب، وتهديد الإرهابيين للمملكة، وليس جديدها همّ الاقتصاد، المتنامي بعجزه، والمتزايد بمديونيته، بسبب الضغوط الهائلة على البلاد؛ ديمغرافيا وأمنيا وسياسيا.
وأمام حساب السياسيين لسنوات حكم ملكهم، يبدو عمر الملك، حاكما وإنسانا، مليئا بالمفاجآت، فهو الحاكم الذي تولى مسؤولية القيادة مع دخولنا ألفية جديدة، اتسمت انطلاقتها بهزات إقليمية من حولنا، بعد أن انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأعلن دوليا عن انطلاق الحرب الكونية على الإرهاب، وسجل عربيا تاريخ احتلال بغداد.
وعلى مدار سنوات ثلاث تعامل الملك الجديد، خلال أعوام 2001 و2001 و2003، مع تلك الأزمات، مستندا على إرث الحكمة من والده الراحل الملك الحسين رحمه الله، متخطيا عقبات الحكم الأولى، ورافعا شعار تأمين الوطن بمستلزمات التحدي والصمود، عبر رؤية استشرافية أدركها الملك للقادم من أيام المنطقة، وما ستعيشه من أزمات وحروب، وحالة مقلقة من عدم الاستقرار والتوتر.
وعبر مساحات واسعة في تقديم رأيه وتوضيح مواقفه، أكد الملك على أهمية الحرب على الإرهاب، والتصدي للفكر المتطرف، عبر حرب عالمية ثالثة، تتوزع على الجبهات العسكرية في المدى القصير، والأمنية في المدى المتوسط، والثقافية الفكرية على المدى الطويل، لدحر خوارج العصر، الذين يهددون الأمن والسلم الأهلي للمجتمعات.
ولعل الملك بعث بنصائحه للمجتمع الدولي، عبر لقائه الإعلامي الأخير مع قناة (سي إن إن)، حيث شرح أبعاد الحرب على الإرهاب، وأهمية تكامل الجهود، تحت عنوان رئيسي، يفيد بالتخلص من قوى الشر والظلام بمفهوم شمولي، وسد الثغرات أمامهم، والتي يتسربون منها للتغرير بعقول الشابات والشباب، بفتاوى دينية، والدين الإسلامي منها براء، لأن قيم التسامح والحوار وقبول الآخر، كرسها القرآن الكريم، وشدد عليها النبي محمد.
لكن النتائج، التي يريد أن يصل اليها الملك، في تحصين المنطقة من خطر الإرهاب، مرتبطة بأسباب يجب التعامل معها بجدية من خلال تكريس مفهوم العدالة الدولية، فالقضية الفلسطينية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، هو مدخل عملي لزيادة منسوب الشعور بالظلم العربي. كما أن اتساع فجوة التنمية بين مجتمعات العالم المتقدم، والعالم الثالث، واتساع رقعة الفقر والبطالة في الأخير، يصب في خانة تعزيز مشاعر الكراهية للآخر.
وأمام كل ذلك، يدخل الملك في ميلاده الجديد، وسط أولويات لا تقبل الخلط أو إعادة التقدير، فالإرهاب والاقتصاد، معادلة تشغل بال الملك، وهو يسعى بجهوده كافة، لتحصين مملكته من خطر التطرف، وخطر الفقر والعوز، وإن كان للمدرسة العسكرية التي نشأ بها جلالته، علاقة بالأمر، فإن مدرسته في الحكم لم تنفصل عن تلك الفكرة والفلسفة.
الأردن وهو يتعامل مع تحديات أمنية جسيمة على حدوده الشمالية مع سورية، والشرقية مع العراق، والغربية بفعل استعصاء الحل للقضية الفلسطينية التاريخية، يجد أنه لا بد من التحوط أمنيا، من خلال تعزيز قدرات الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية، وما يعنيه ذلك من تقديم الأهم على المهم، في رفد موازنات تلك المؤسسات، وتحصينها من أي نقص في المستلزمات.
وفي ذات الوقت يجد الملك بأن معادلة بلاده الاقتصادية، التي تعاني من تذبذب المساعدات، وتفاقم العجز والمديونية، بفعل الأزمة الإنسانية واستقبال نحو 1.4 مليون لاجئ سوري، ومثلهم عمالة وافدة، وآخرين من جنسيات عربية مقيمين على الأرض الأردنية، تتسبب في تعثر جملة المبادئ التنموية التي قدمها ودعمها الملك، بل وفرضها على حكوماته المتعاقبة، منذ تسلمه سلطاته الدستورية.
وعندما يواجه الملك تحديات خارجية، تفاقم من أعباء مملكته الداخلية، فإنه في ذلك الوقت يكون المدبر لشؤون بلاده، يستخدم ببراعة مصطلح إدارة الأزمات، في البحث عن تحقيق المصلحة الوطنية العليا، وتأمين كل ما يسلتزم من متطلبات الثبات والتصدي.
وعليه، يمكن أن نفهم تنسيق المملكة مع روسيا في مهمتها العسكرية في سورية، ومشاركة الأردن الفاعلة على صعيد التحالف الدولي على الإرهاب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ومشاركته في التحالف الإسلامي لذات الغاية، والقوى العربية كذلك. ولا يخفى أيضا على المتابعين، دعم الأردن لعشائر سورية وعراقية، في مهمة التصدي لجماعات إرهابية مثل "داعش والنصرة" وغيرهما، واستقبال المملكة لأعداد من مسيحيي العراق، الفارين بحثا عن ملاذ آمن.
ربط الأفكار مع حسن التطبيق، وفر للأردن مكانة وسمعة دوليتين، فعندما تصبح عمان واحة الأمن والأمان، وعاصمة الدفاع عن صورة القيم العربية والإسلامية المعتدلة، وسط إقليم يعج بمعارك التكفير والأزمات وحالة عدم الاستقرار، سيكون للأمر كلفة اقتصادية باهظة، جعلت المملكة تتعامل مع نحو 3 ملايين من الجنسيات العربية، يقيمون في محافظات المملكة، مضافين لعدد السكان الأصليين، وهو 6 ملايين نسمة، وفق التقديرات الأولية للتعداد السكاني الأخير.
وبعد هذا كله، نفهم جيدا ما يشغل عقل الملك في ميلاده الجديد، لأنه مايزال ممسكا بثبات على الأولويات الوطنية، التي يرصدها على نبض الحاجات والمتطلبات؛ لشعبه ومملكته.

التعليق