الهجرة إلى دولة الرفاهة

تم نشره في الثلاثاء 2 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

هانس-فيرنر سين*

ميونيخ- أطلق الصراع المسلح الذي يزعزع استقرار بعض الدول العربية العنان لموجة ضخمة من اللاجئين المتوجهين إلى أوروبا. ففي العام 2015، وصل نحو 1.1 مليون لاجئ إلى ألمانيا وحدها. ومن ناحية أخرى، كان تبني مبدأ حرية التنقل داخل أوروبا سبباً في حدوث تدفقات هائلة -ولو أنها لم تكن ملحوظة إلى حد كبير- من الهجرة بين الدول الأوروبية. وفي العام 2014، شهدت ألمانيا صافي تدفقات غير مسبوق بلغ نحو 304 آلاف شخص من بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى، وربما كان الرقم مماثلاً في العام 2015.
كان رد فِعل بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك النمسا والمجر وسلوفينيا وأسبانيا وفرنسا وبعض الدول التي كانت مرحبة في مستهل الأمر، مثل الدنمارك والسويد، بتعليق العمل باتفاق الشنغن عملياً، وإعادة فرض الضوابط الحدودية. ولم تكن هذه التطورات مستغربة حقاً في نظر خبراء الاقتصاد. ففي تسعينيات القرن العشرين، تناولت العشرات من الأبحاث الأكاديمية قضية الهجرة إلى دول الرفاهة الاجتماعية، وناقشت العديد من المشاكل التي باتت الآن واضحة. وكنت قد كتبت أنا شخصياً حول هذا الموضوع في ذلك الوقت، في محاولة -غير مجدية غالباً- لزيادة الوعي بين صناع السياسات.
هنا تصبح قضية جوهرية على المحك؛ إذ يتخلص تعريف دولة الرفاهة الاجتماعية في مبدأ مفاده أن أولئك الذين يتمتعون بدخل فوق المتوسط يدفعون قدراً أكبر من الضرائب والمساهمات مقارنة بما يحصلون عليه في هيئة خدمات عامة، في حين يدفع أولئك من ذوي الدخل الأقل من المتوسط أقل مما يحصلون عليه من خدمات. وتشكل إعادة التوزيع على هذا النحو، والتي توجه صافي الموارد العامة نحو الأسر الأدنى دخلا، تصحيحاً معقولاً لاقتصاد السوق، أو نوعاً من التأمين ضد تقلبات الحياة وصرامة تسعير الندرة التي تميز اقتصاد السوق، والتي تبعد كثيراً عن الإنصاف.
تتعارض دولة الرفاهة جوهرياً مع حرية تنقل الأشخاص بين البلدان إذا كان القادمون الجدد يتمتعون بقدرة مباشرة وكاملة على الوصول إلى المنافع العامة في البلدان المضيفة. ففي هذه الحالة، من الممكن أن تعمل البلدان كمغناطيس من الرفاهة، فتجتذب أعداداً من المهاجرين أكبر كثيراً من المستحسن اقتصادياً، لأن القادمين الجدد يحصلون بالإضافة إلى أجورهم على منح الهجرة في هيئة تحويلات للأموال العامة. ولو تلقى المهاجرون أجورهم فقط، فربما يكون بوسعنا أن نتوقع تنظيماً ذاتياً للهجرة يتسم بالكفاءة.
وقد خلص رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى الاستنتاج الصحيح من هذا: فمغناطيسية دولة الرفاهة لا تؤدي إلى توزيع جغرافي غير فعّال للناس فحسب، بل إنها تؤدي أيضاً إلى تآكل المغناطيس ذاته وإلحاق الضرر به. ولهذا السبب، يطالب كاميرون بفرض قيود على مبدأ الشمولية، حتى بالنسبة للمهاجرين الاقتصاديين بين البلدان الأوروبية. وحتى في حال عثورهم على وظيفة، كما يقول كاميرون، فإن المهاجرين يجب أن يتمكنوا من الحصول على فوائد الرفاهة الاجتماعية الممولة من الضرائب بعد أربع سنوات فقط. وتفرض القواعد المعمول بها حالياً فترة انتظار طويلة فقط على المهاجرين غير العاملين من الاتحاد الأوروبي، الذين يجب أن يكونوا من المقيمين في المملكة المتحدة لخمس سنوات قبل اكتساب حق الوصول الكامل إلى المنافع العامة.
ولا يعني هذا الاقتراح بالضرورة فرض المشاق على المهاجرين من الاتحاد الأوروبي؛ بل يعني ببساطة أن أي دعم ربما يحتاجون إليه على مدار فترة السنوات الأربع يجب أن يمول من قِبَل بلدانهم الأصلية. وهناك في واقع الأمر الكثير مما قد يبرر تقديم مبدأ الوطن الأم ضمن قواعد الاتحاد الأوروبي؛ إذ يتعين على البلد الأصلي للمهاجر أن يستمر في تحمل المسؤولية عن توفير المنافع الاجتماعية له لعدد معين من السنوات، إلى أن يتم تطبيق مبدأ الدمج الكامل.
من الصعب أن نفسر -على سبيل المثال- لماذا ينبغي لمتلقي الرعاية الاجتماعية الألماني غير الصالح للعمل أن يحصل على الدعم من الدولة الأسبانية إذا قرر أن يعيش في مايوركا. ومن غير المعقول بالمقدار نفسه أن نحرم هذا الشخص من حقه في اختيار محل إقامته لمجرد حماية الدولة الأسبانية. وإذا كان لنا أن نتعامل بجدية مع حرية الناس في التنقل، فينبغي أن نذبح البقرة المقدسة المتمثلة في الأهلية الفورية للحصول على المنافع من البلد المضيف.
لا ينطبق هذا بكل تأكيد على المهاجرين لأسباب اقتصادية من بلدان من خارج الاتحاد الأوروبي، كما لا ينطبق على اللاجئين بطبيعة الحال. فمن المستحيل تطبيق مبدأ البلد الأصلي عادة في مثل هذه الحالات. ولكن، وللأسباب نفسها المذكورة أعلاه، يصبح من غير الممكن دمج هؤلاء المهاجرين بمئات الآلاف في دولة الرفاهة من دون المساس بقدرة النظام على البقاء.
وعلى هذا، فإن نظام منافع التعويض عن الأجور السائد حالياً، والذي يتم تطبيقه عندما لا يعمل المستفيدون، يجب أن يستعاض عنه بنظام يقدم أجوراً تكميلية وعملاً مجتمعياً. ومن شأن ذلك أن يقلل من صافي تكاليف المنافع وأن يضعف حوافز الهجرة. وقد اقترح وزير العمل الألماني، أندريا ناهلز، مؤخراً الفكرة نفسها، مدافعاً عما يسميه الألمان مفهوم وظائف اليورو الواحد، والذي يحول الرفاهة الاجتماعية في الأساس إلى أجور.
هذه هي المشورة السليمة في خضم هذه الحالة التي نعيشها من الفوضى. فإذا كان لنا أن نحافظ على حرية التنقل داخل أوروبا -وإذا استمرت التدفقات المرتفعة من غير مواطني الاتحاد الأوروبي- فإن دول الرفاهة الاجتماعية الأوروبية تواجه اختياراً قاسياً: إما تعديل المسار أو الانهيار.

*أستاذ الاقتصاد والمالية العامة في جامعة ميونخ، وهو رئيس معهد إنفو للأبحاث الاقتصادية، ويعمل في المجلس الاستشاري لوزارة الاقتصاد الألمانية. وهو مؤلف: "مصيدة اليورو: عن الفقاعات المتفجرة، والميزانيات والمعتقدات".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق