في بلدة سورية محاصرة: "ما نزال نتضور جوعاً، والبرد يزداد ضراوة"

تم نشره في الثلاثاء 2 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً
  • قافلة مساعدات للهلال الأحمر تدخل بلدة مضايا السورية يوم 14 كانون الأول (يناير) الحالي – (أرشيفية)

هيو نايلور؛ وسوزان هايداموس* – (الواشنطن بوست) 28/1/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بيروت- لفَّت الثلوج بلدة مضايا السورية، وفاقمت درجات الحرارة المتدنية التي تُجمد العظام معاناة الآلاف من الأشخاص المعرضين لخطر الموت جوعاً هناك، بسبب الحصار المفروض عليهم من القوات الحكومية، والمستمر منذ شهور، كما يقول السكان وعمال الإغاثة.
وكانت مضايا قد احتلت عناوين الأخبار في وقت سابق من هذا الشهر، عندما سمح اتفاق دعمته الأمم المتحدة بوصول قوافل المساعدات التي تحمل إمدادات الغذاء والدواء التي تمس الحاجة إليها إلى البلدة، وهي معقل يتمتع بموقع استراتيجي لقوات المعارضة؛ حيث تقع على بعد نحو 15 ميلا إلى الغرب من العاصمة دمشق.
لكن حكومة الرئيس بشار الأسد أعاقت وصول شحنات إنسانية إضافية إلى البلدة؛ حيث تحاصر قواتها أكثر من 20.000 شخص في مضايا منذ الصيف، كما يقول مسؤولون في الأمم المتحدة وعمال الاغاثة. ويقول السكان إن الناس ما يزالون يموتون في البلدة لأسباب تتعلق بالمجاعة.
ويقول عبد الله، أحد سكان المدينة والبالغ من العمر 25 عاماً: "كنا نتضور جوعاً قبل أن تأتي الأمم المتحدة إلى هنا، وما نزال نتضور جوعاً الآن، والجو يصبح أكثر وأكثر برودة".
ويصف العاملون في المجال الإنساني، والذين زاروا البلدة مع قافلة المساعدات التي وصلت إليها هذا الشهر ظروفاً مروعة، بما في ذلك التعرف إلى نحو 400 شخص يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة. لكنه لم يتم نقل معظم هؤلاء الناس لتلقي العلاج، وكان البعض منهم من بين تسعة أشخاص لقوا حتفهم بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية والافتقار إلى الرعاية الطبية، كما يقول عبد الله.
على ما يبدو، شكلت قضية مئات الآلاف من الناس المقيمين في مناطق متعددة في جميع أنحاء سورية، والذين يعيشون تحت الحصار الذي تفرضه الحكومة ومقاتلو جماعات الثوار، نقطة خلاف رئيسية في محادثات السلام التي تقرر عقدها يوم الجمعة الماضي في جنيف. فبعد اجتماع عقد في المملكة العربية السعودية يوم الثلاثاء الماضي، رفضت جماعة المعارضة الرئيسية حضور تلك المحادثات ما لم تحدث "تحسينات حقيقية على أرض الواقع" في سورية، في إشارة إلى رفع الحصارات التي تفرضها الحكومة.
كما أثار حصار مضايا المزيد من الأسئلة حول جهود الإغاثة الإنسانية التي تقدمها لأمم المتحدة في الصراع السوري الذي خلف أكثر من 250.000 قتيل وتسبب بتشريد الملايين. وتتميز الحصارات التي تضربها الحكومة بأنها أكثر شدة وبأنها تؤثر على عدد أكبر من الناس في سورية من الحصارات التي تفرضها قوى المعارضة المسلحة. لكن نشطاء المعارضة يتهمون مسؤولي الأمم المتحدة المشتغلين في المجال الإنساني بالإذعان لحكومة الأسد، التي ترفض بشكل متكرر الموافقة على إيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة الخاضعة لسيطرة المعارضة.
في بيان شديد اللهجة لمجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء، تحدث رئيس منظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين، عن الأطراف كافة المتحاربة في النزاع فيما يتعلق بالحصارات. وأعرب عن قلقه بشكل خاص بشأن مضايا التي قال إنها لا تمثل سوى "غيض من فيض" من حيث مدى المعاناة الناجمة عن الحصارات في سورية.
وقال أيضاً إن الحكومة لم تستجب لما يقرب من 75 في المائة من طلبات الأمم المتحدة لإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة.
فيما تواصل حكومة الأسد ما يصفه المعارضون بأنه ممارسة طويلة الأمد لمحاولة تجويع السكان غير الموالين لحملهم على الخضوع، يتساءل مسؤولون في الأمم المتحدة على نحو متزايد عن فعالية استراتيجية المنظمة الدولية لتوفير المساعدات.
ويقول مسؤول في الأمم المتحدة، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب عدم وجود تصريح بمناقشة هذه القضية: "أعتقد أن الوقت قد حان حقاً لتغيير نهجنا. كنا لينين في محاولة التفاوض على صفقات على مدى السنوات الخمس الماضية، لكن ذلك لم يكن يعمل، ببساطة".
أما بالنسبة للناس الذين يعيشون في مضايا، فقد أدى الفشل في إنهاء الحصار إلى تزايد مشاعر اليأس. وكانت الصور التي نُشرت على وسائل الإعلام الاجتماعية لتعرض المعاناة التي يعيشها الناس في المدينة، بما في ذلك الأولاد والمسنون النحيلون، قد أثارت الكثير من الاهتمام الدولي بهذه القضية. وقال عمال الإغاثة والسكان إن نحو عشرين شخصاً ماتوا جوعاً قبل وصول قافلة الإغاثة إلى البلدة هذا الشهر.
والآن، يقول السكان إنهم يقومون بتقنين استهلاك المساعدات الغذائية التي تلقوها في الآونة الأخيرة، والتي من المفترض أن تكفي لمدة شهر من تاريخ التسليم، بينما شرعت أسعار السلع الصالحة للأكل في الارتفاع مرة أخرى. وبعد هبوط الأسعار بشكل مؤقت، أصبح سعر الكيلوغرام من الأرز نحو 50 دولاراً، كما يقول أحد المقيمين. كما أن اللحوم والفواكه والخضروات الطازجة غير متوفرة في البلدة.
وتقول أم عمر (40 عاماً)، التي تدير مجموعة تُعنى بمجتمع النساء في المدينة: "كل النساء هنا يعانين من فقر الدم". وتضيف أم عمر، التي نستخدم كنيتها التقليدية بعد أن طلبت عدم ذكر اسمها الكامل لأنها تخشى انتقام الحكومة السورية: "هناك الكثير من التعقيدات التي تواجه النساء اللواتي يلدن. ليس لدينا الأطباء المناسبون للتعامل مع هذه القضايا".
كما أثار نقص إمدادات الكهرباء وتناقص الحطب قلق جنان على صحة ابنها جميل، البالغ من العمر 12 عاما، وابنتها رامة، البالغة من العمر 9 سنوات. وقالت إنهم لا يستطيعون تدفئة منزلهم، وهم يقومون بتقنين استهلاك الطعام الذي جُلب هذا الشهر، حيث يتناول كل واحد منهم وجبة واحدة في اليوم فقط.
وتقول جنان، التي تحدثت شريطة استخدام اسمها الأول فقط بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة: "هذا الطعام يساعد، لكنه ليس كافياً ليدوم، وهو ليس مغذياً أيضاً. إننا نحتاج اللحوم والخضراوات".
وتضيف جنان: "أحاول أن آكل العشب الأخضر للحصول على شيء يشبه السلطة. لكنني أخاف أن أسمح لأطفالي بأكله لأنه يمكن أن يكون ضاراً لهم".
تضمنت الاتفاقية المدعومة من الأمم المتحدة، والتي سمحت للقوافل الإنسانية بدخول مضايا، وصول مساعدات مماثلة إلى قريتين يحاصرهما الثوار في محافظة أخرى؛ حيث يواجه السكان أيضا تدهوراً في الأوضاع الإنسانية.
وفي الأسبوع الماضي، طلب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إذناً بإجراء تقييم لوضع التغذية في مضايا، لكن الحكومة السورية لم تستجب لهذا الطلب، كما تقول ليندا توم، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة. ومع ذلك، تقول إليزابيث هوف، ممثلة منظمة الصحة العالمية في دمشق، إن الحكومة وافقت مؤخراً على طلب لإرسال عيادات طبية متنقلة إلى مضايا.
لكن السكان يقولون إن أي شيء غير رفع الحصار لن ينهي معاناتهم. ويقول عبد الله: "لقد أصبحت أجسادنا ضعيفة في الوقت الحالي، وأي نوع من المرض يمكن أن يكون قاتلاً. إننا بحاجة إلى وضع نهاية لهذا الوضع".

*هيو نايلور: مراسل لصحيفة "واشنطن بوست" يتخذ من بيروت مقراً له. وقد أرسل تقاريره من اثني عشر بلداً في منطقة الشرق الأوسط لمطبوعات مثل صحيفة (ذا ناشيونال) ومقرها أبوظبي، وصحيفة نيويورك تايمز.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:In a besieged Syrian town: ‘We’re still starving, and it’s getting colder’

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق