موفق ملكاوي

قرى متخمة بالمخدرات!

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016. 01:06 صباحاً

منذ تأسيسها قبل أكثر من قرنين، ظلت قريتي ملكا، القابعة في أقصى الشمال الأردني، تصدّر العلماء والواعظين والزاهدين والمتدينين. اليوم، باتت تصدر مدمني مخدرات ومروجين لها!
الأمر لم يعد مجرد "حالات" معدودة، فقد تعدى إلى أن يكون ظاهرة تنخر في القرية وما يجاورها من قرى، ما أجبر العقلاء على التداعي إلى عقد اجتماع أهلي للوقوف على أسباب تفشي المخدرات في المجتمعات القروية، والأرقام التقريبية للمتعاطين والمروجين.
كزائر للقرية، أذهلتني مساحة الحديث عن هذه الظاهرة؛ فقد باتت مقلقة لكل صاحب عائلة يريد الحفاظ على أبنائه بعيدا عن هذه الآفة. كما أذهلتني التأكيدات العديدة أن الترويج يتم في كل مكان؛ وعلى رأسها المدارس، حتى الأساسية منها، خصوصا أن أسعار بعض أنواع الحبوب المخدرة زهيدة وفي متناول الجميع، بحسب ما نقل لي بعضهم.
إن مثال هذه القرية ليس خارجا عن سياق ما هو قائم في كثير من ألوية الشمال؛ إذ بحسب الأهالي، الظاهرة متفشية إلى حد خطير في معظم قرى لواءي بني كنانة والكورة، وهي ليست في طريقها إلى الانحسار، بل يزداد حجمها باستمرار.
أرقام غير علمية يقدرها الأهالي والمتوجسون من امتداد الظاهرة ووصولها إلى مديات لا يمكن علاجها، إذ يتحدثون عن نسب عالية من الشباب بين عمر 12-20 عاما، هم من المتعاطين أو ممن تعاطوا وخاضوا التجربة. بينما هناك حديث عن نسبة أقل من الأطفال ممن هم دون الثانية عشرة، ممن يتعاطون أنواعا من الحبوب المخدرة أو المهلوسة، والتي يتم تأمينها لهم بأسعار تناسب مصروفاتهم اليومية.
في ظل وضع كهذا، لا بد أن "تزدهر" في تلك القرى والمناطق المحيطة أحداث خارجة على القانون، مثل كثرة السرقات والتخريب والبلطجة، ما يُشعر الأهالي معها بعدم الأمان على الأرواح والأعراض والممتلكات.
احاديث كثيرة يتناقلها الأهالي هناك عن أطفال يروجون الحبوب المهلوسة لزملائهم في المدرسة، وحكايات أخرى عن مروجين كانوا يبدلون سياراتهم الفارهة كل أسبوع، وثالثة عن شاب "تاجر" يسلم "زبائنه" على الهاتف، باستخدام رموز وإشارات سريّة لكل كمية ونوعية!
إذا سلّمنا بأن ليس كل ما يقال صحيحا، وأن هناك مبالغات دخلت في الأحاديث؛ وافترضنا، جدلا، أن الحقيقة لا تعدو أن تكون نصف ما يقال، فإننا، والحالة كهذه، نقف اليوم على شفا كارثة حقيقية تهدد أجيالا بأكملها، كما تهدد مئات الأسر بالتفكك.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على كل عقل حصيف حين الاطلاع على أحوال القرى في الشمال، هو: هل تعي الدولة حقيقة المأزق الخطير الذي ينزلق فيه المجتمع نحو هاوية لا يدري أحد مداها؟
العلاج لهذه الظاهرة اليوم لا يمكن الركون فيه إلى عمل الأجهزة الأمنية وحدها، فهي لن تكون كافية لدحر هذه الآفة، بل يتطلب، قبل كل شيء، دراسة الظاهرة؛ مسبباتها وحجمها الحقيقي، من خلال جهد وطني كامل، تتعاون فيه أجهزة الدولة المختلفة لتحجيم الظاهرة واجتثاثها بالتدريج.
على الدولة أن تلجأ إلى طمأنة أولئك القرويين الذين بذلوا كل ما ملكوه لتنشئة أبنائهم وتعليمهم، وها هم اليوم يرون أن جميع ما صنعوه يوشك أن يذهب هباء، فتضيع أحلامهم التي أملوا كثيرا أن يحققها الأبناء من بعدهم.
أيها المسؤولون: إذهبوا إلى الشمال كي تعاينوا الكارثة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مندهش (علي ملكاوي)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016.
    في زيارتي الأخيرة خلال العطلة الشتوية تفاجت بوجود سرقات وعمليات تخريبية بشكل لافت وعلى شكل منظم لعصابات أقرب ما توصف بالارهابية وقصص يذكرها البعض شبيهة بالخيال بالنسبة لشخص مثلي عاش شبابه كله في قرية تعمها السكينة والطمأنينة الغريب أن أياً من أفراد تلك العصابات لم يتم القبض عليه وأن كثير من مروجي المخدرات معروفين للجميع !!
    واللافت أن هؤلاء يسرحون ويمرحون بحرية تامة.
  • »عمان (محمد ملكاوي)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016.
    أجمل تحيه أخي موفق. ..كل الشكر لك على تسليط الضوء على الظاهره الاخذه بالانتشار فى معظم المجتمعات العربية وان كان هناك مبالغ في تقديرك لوجودها في هذه البلده... واود ان اوضح لك ان قرية ملكا كغيرها من قرى عديده كانت مأهولة منذ بداية العصر المملوكي. .القرن الرابع عشر....طالع كتاب د.عدنان البخيت...ناحية بني كنانه في القرن الخامس عشر. .كل الاحترام والتقدير.
  • »ما الحل؟ (إسماعيل زيد)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016.
    ان الأجهزة الأمنية تقوم على متابعة هذا الموضوع بشكل مكثف ولكن الكميات الكبيرة والمتعاطين والتجار والمروجين الكثر تساعد في انتشار هذه الظاهرة بشكل مخيف ودعونا نكون صريحين إن ظاهرة كهذه عجزت عنها كل الدول العربية والأجنبية الفقيرة والغنية فكيف بالأردن هذا البلد الصغير والذي لا يملك إمكانات مادية تساعد في تطوير طرق المكافحة على الرغم من انني على قناعة تامة بأن الأجهزة الأمنية والحكومة تعطي هذا الموضوع أولوية كبيرة ولكن بسبب الكم الهائل من اللجوء والزوار يساعد على تفشي مثل هذه الظاهرة.
    أظن أن الحل يجب أن يكون دوليا وليس على مستوى كل دولة منفردة فهذه الآفة أو المعضلة يعاني منها الجميع كل الدول ومحاربتها يجب أن يكون بتعاون دولي حيث أن هناك دولا اقتصادها قائم على زراعة والمتاجرة بالمخدرات وهذا الأمر لا يستطيع أحد أن يجد الحل له إلا بتعاون دولي لمحاربته والقضاء عليه لأنه أشد علينا ممن يهددون أبناءنا مثل عصابة داعش وغيرها.
    حمى الله الاردن.
  • »ظاهرة عامه (فايز شبيكات الدعجه)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016.
    ليست ملكا والشمال وحدها ....هذه ظاهرة تعم المملكة ...الجزء الاكبر من حل المعضلة يقع على عاتق مؤسسة الامن وليس غيرها ....بصراحة هناك قصور واضح لا يمكن اخفاءة وهناك انشغال بامور ثانوية وهامشية ولا بد لوزير الداخلية من ان يوعز اعادة النظر في الاولويات الامنية واعطاء المخدرات حصة اكبر لتتناسب مع حجم المشكلة الهائل