النظريات المفسرة للإرهاب

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

د. سعود الشرفات*

ينشغل الناس في الأردن وفي عالمنا العربي والإسلامي، كما في العالم ككل، بتفسير ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر. ويُطرح السؤال العالمي: لماذا الإرهاب؛ ما الذي يدفع الأفراد إلى الإرهاب (الذئب المنفرد)، وما الذي يدفع الجماعات والمنظمات ما دون الدول (نحن هنا لا نتحدث عن إرهاب الدولة) إلى الإرهاب؟
الحقيقة أنه ليست هناك نظرية أو مقاربة يمكن أن تفسر الإرهاب. وقد يبدو مخيباً للآمال أنه ليس هناك سبب محدد منفرد يمكن أن يفسر الظاهرة بشكلٍ عام. وقد ارتبط الإرهاب بتكوينه منذ فجر التاريخ بالمقدّس، وكيفية مقاربة البشر لعلاقاتهم مع الغيب والطبيعة والبشر الآخرين.
ولا نغالي إذا ما قلنا إن ممارسته قد تكرست من خلال رسم الحدود الأولى لمفهوم "الآخر" المختلف عنا. فنحن إذ نحدد ونؤطر صورة هذا الآخر المختلف، نمهد الطريق ونخلق الذرائع والأسباب لاستهدافه بفعل الإرهاب.
ونحن إذ نستخدم مفهوم "النظرية" على سبيل التوضيح فقط، فإننا ندرك أن معظم ما يطرح من أفكار وتحليل يكاد ينحصر في "مقاربات" نظرية خاضعة للبحث والتحليل. وهناك مقاربات متنوعة ومختلفة لتفسير الإرهاب، تمتد من السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية-الدينية، إلى السيكولوجية-النفسية.
وكما أسلفنا، ليس هناك مقاربة منفردة من هذه المقاربات قادرة على تفسير الإرهاب، أو على الأقل تحظى بقبول الكل. وتبقى أهميتها في أن كلا منها يفسر جانبا من الظاهرة فقط. فلا الأسباب السياسية ممثلة بالغزو والاحتلال والتهميش السياسي وانعدام الحريات السياسية وغياب الديمقراطية، ولا الأسباب الاقتصادية ممثلة بالفقر المدقع والبطالة وانخفاض الأجور، ولا الأسباب الاجتماعية والثقافية ممثلة بالدين وأشكال التدين والحنين غير السوي الى الماضي والبحث عن فردوسٍ مفقود، وانتشار الأمية، وتفسخ المجتمع، ولا الأسباب السيكولوجية-النفسية ممثلة بحالات من العصاب والكبت والأمراض النفسية المختلفة... قادرة منفردة على تزويدنا بتفسيرٍ وافٍ ومقنعٍ للإرهاب.
إن لكل من تلك المقارات أهميتها في تفسير الظاهرة. لكن الأوزان النسبية للأهمية تختلف من سببٍ لآخر. ثم إن هذه الأهمية تتغير مع الزمن وتبدل الظروف، بفعل تسارع عملية العولمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يشير بعض الروايات التأسيسية لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضد أميركا، والمنقولة على لسان خالد شيخ محمد أحد المخططين المتهمين بتلك الهجمات، إلى أن دافع الانتقام والثأر (وهو ما يمكن أن نعده من الأسباب السيكولوجية-النفسية)، كان هو ما يقف وراء هذه الهجمات، انتقاماً من أميركا على موقفها بالتخلي عن المقاتلين الجهاديين، ومنهم أعضاء في تنظيم "القاعدة" في حرب البوسنة والهرسك وطردهم من هناك مقابل توقيع اتفاقية "دايتون"، العام 1995، للسلام بين الأطراف المتحاربة. وهناك الكثير من الحالات الفردية التي دفعت بعض لأفراد إلى الإرهاب انتقاما وثأرا من مؤسسات دولهم ومجتمعاتهم.
لذلك كله، أعتقد بأننا بحاجة الى مقارباتٍ استشرافية (كلانّية) خلاقة، تدمج ولا تفصل بين المقاربات المختلفة، على أمل القدرة على بناء نماذج أولية تساعدنا، كمجتمع إنساني، في فهم وتحليل وتفسير الإرهاب بلا تحيز.
إن سمة الإرهاب واتجاهاته في ظل حقبة العولمة الحالية، هي أنه مرتبط بالقوة والسلطة أكثر من أي وقت مضى. ولعل هذا هو السبب الرئيس في بقاء اختلافنا حول تفسير الإرهاب. كما أنه بالتأكيد السبب الرئيس في استمرارية بقاء تنظيمات إرهابية مثل "داعش" و"بوكو حرام" و"القاعدة" وغيرها في العالم.

*مدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب

التعليق