المقاربة الإسرائيلية للأزمة السورية

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

ناصر السعدي

يكتنف الغموض والضبابية حقيقة موقف تل أبيب من الأزمة السورية. وعند استعراض المواقف الإسرائيلية المعلنة منذ بدء الأزمة وحتى اللحظة، نقف عند مسألة واحدة، ألا وهي الادعاء المتكرر بالحياد المطلق؛ أي إنه موقف لا سلبي ولا إيجابي. وهذا لا يتماشى في حقيقة الأمر مع تعامل الإدارة في تل أبيب مع الحرب في سورية وعليها منذ بواكيرها وإلى أيامنا هذه.
حرص الفريق الحكومي الإسرائيلي، وكذلك الفريق الأمني والطبقة السياسية المقربة من الحكم في الكيان، على التزام الصمت تجاه هذه الأزمة، كتكتيك في التعاطي معها، وإبقاء المقاربات الحقيقية بعيدا عن الإفصاح بها، مع مراقبة الأحداث في سورية عن كثب؛ إذ ليس بالوارد لدى الدولة العبرية ترك المآلات لأي حدث في المنطقة للصدف.
وعند الغوص في دهاليز السياسة الإسرائيلية وفي ملف الأزمة السورية، نجده قائما أساسا على مبدأ أن سورية عدوة؛ دولة وشعبا، ومعادلة وطن من "النظام والمعارضة". وكذلك تجد أن الحرب في سورية فرصة تاريخية لإضعاف هذه الدولة التي تمثل أحد أركان دول الجوار لهذا الكيان، وإخراجها من مربع الدولة الإقليمية. وبهذه الحرب تستنزف مقدراتها ومكونات شعبها، من خلال تمزيقه فرقا وشيعا قومية وعقائدية ومذهبية وجهوية. لا بل وفرصة لإضعاف النظام ذاته فيما إذا خرجت سورية من أزمتها وبقي النظام كأحد المآلات التي قد تكون في المستقبل، ضمن اشتقاقات التسوية من خلال الحوار، وحصل إجماع دولي على ذلك. فإسرائيل لا تنسى أنه كان يوما داعما وممرا استراتيجيا لغريمها على  الحدود الشمالية "حزب الله". وكل ذلك من دون أن تحرك ألويتها وكتائبها، وبالابتعاد عن وحل التورط في هذه الأزمة.
تل أبيب لم تكن يوما تملك الرغبة في إنهاء الصراع في سورية منذ مهدها، بل هناك أمنيات جامحة لديها بإبقاء الصراع إلى أطول وقت ممكن، والشاهد حيادها الإيجابي تارة والسلبي تارة أخرى؛ تحارب الجميع في أكثر من مناسبة، وسلاحها الجوي يضرب مراكز النظام وثكناته، وبالمقابل نجدها تتعامى عن عمليات إدخال السلاح إلى سورية لفرقاء الصراع، فلا يضيرها دخول التنظيمات العسكرية غير السورية من لبنان أو العراق أو إيران التي تصفها بعدوها الإقليمي، بكل عتيدها وعتادها الذاهبة لدعم النظام، والذي يصب بالمحصلة في إطالة أمد الصراع. وفي الوقت ذاته نشهد ردا قاسيا بضربات استباقية بواسطة ذراعها الجوي لأي عمل أو الشروع بعمل من شأنه أن يهدد حدودها الشمالية الغربية على طول خط وقف إطلاق النار الذي وقع العام 1974، من أي طرف من أطرف الصراع.
واللافت أن الدولة العبرية تتعاطى مع كل الجهات الدولية اللاعبة في الأزمة السورية، وبدبلوماسية نشطة، وعلى وجه التحديد الدولتان الجبارتان؛ الولايات المتحدة وروسيا، على الرغم من أنهما على طرفي نقيض في هذه الأزمة. والشاهد تدخل روسيا المباشر في الأزمة في سورية، والذي سبقه تنسيق مع حكومة تل أبيب.
وبالذهاب إلى المشهد السياسي والعصف الفكري الدائر بين المفكرين والمنظرين للسياسات الإسرائيلية، كما يظهر في الإعلام العبري، فإنهم لا ينفكون عن الإدلاء بالتسريبات للرؤية الإسرائيلية الحقيقية تجاه الحرب في سورية، خروجا عن مبدأ موقف اللاموقف الذي لطالما التزم به الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية وأعضائها. فها هو وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي يعلون، والذي كان قائدا للأركان، خرج علينا مؤخرا بالقول: نحن لا نتدخل بسورية، وبذات الوقت لم ينكر عدم وجود رؤية تجاه الحرب هناك.
إسرائيل الباحثة عن استمرار وجودها في الشرق الأوسط كجسم غريب، ترغب في معادلة قائمة على أساس أن يبقى المحيط تحت أتون النزاعات والصراعات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وعلى وجهة الخصوص  الدول الإقليمية منها. وهذا ما نشاهده اليوم في سورية والعراق ومصر الكنانة ولبنان، فهي دولة ليست حليفة إلا لمصالحها دون سواها.

التعليق