رنا الصبّاغ

"عقد" بين الأردن والمانحين حيال اللجوء السوري

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016. 12:02 صباحاً

يطرح الأردن على المؤتمر الدولي الرابع للمانحين المعنيين بملف اللجوء السوري أسلوبا مبتكرا في التعامل مع 1.3 مليون سوري على أراضيه؛ عبر منح بعضهم حق العمل في مهن مختارة، وتحسين البنى التحتية، ورفع سوية خدمات الصحة والتعليم، مقابل نيل 8.13 مليار دولار على شكل منح وقروض ميسرة بين 2016 و2018.
هذه الصفقة الشمولية غير المسبوقة للحصول على مساعدات اقتصادية حاسمة، تقوم على ميثاق أو "عقد" (Compact) ينطوي على ضمانات ستوفرها المملكة للمجتمع الدولي "لتحويل مأساة اللجوء إلى فرصة لتنمية حقيقية لهم وللمجتمعات التي تستضيفهم"، مقابل سلسلة مكاسب متبادلة قد تخفّض مغريات التسرب إلى أوروبا وأميركا وكندا بحثا عن مستقبل أفضل.
هكذا تربح جميع الأطراف المتشاركة في أزمة ليست من صنعها، بحسب مسؤولين ودبلوماسيين. وتتمكن عمان من مواصلة لعب دور محوري في ضمان الاستقرار على مستوى الإقليم والعالم، وتبقى خط الدفاع الأول ضد التطرف والإرهاب، وتنقذ موازنتها المثقلة بالديون من دون الحاجة الى اتخاذ إجراءات اقتصادية لها تبعات سياسية. كما تُشعر شعبها بأن المانحين يقفون إلى جانبه وليس فقط إلى جانب السوريين. ذلك قد يخفّف مشاعر الاستياء المتنامي بين الطرفين حول فرص العمل والتعليم.
إذن، الاستراتيجية التي ستُعلن في لندن غداً الخميس تقوم على مبدأ "ساعدوا الأردن لكي يساعدكم". بخلاف ذلك، لا تلوموا عمان في حال تعاظمت موجات اللاجئين السوريين للغرب، بحثا عن الاستقرار وفرص حياة أفضل من العيش في المملكة التي لم تعد قادرة على صرف قرش واحد من مواردها الشحيحة على اللاجئين.
الوثيقة الرسمية التي اطلعت عليها كاتبة المقال بعنوان "عقد الأردن: طريقة شمولية جديدة بين المملكة الأردنية الهاشمية والمجتمع الدولي للتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين"، تنبّه إلى أن المملكة لم تعد قادرة على تحمل أعباء لجوء فاقم محدودية الموارد وشكّل ضغوطا إضافية على المجتمعات المحلية المضيفة والخدمات العامة. كما أن المساعدات التي حصلت عليها عمان من المجتمع الدولي "لم تعكس الاحتياجات الحقيقية لكلف اللجوء" التي باتت تُغطى من الموازنة العامة.
وتحذر الوثيقة من "أن استمرار أسلوب العمل الحالي يعني أن الاحتياجات الطارئة والضرورية للتعامل مع أزمة اللاجئين لن تلبّى. وعليه بات من الضروري تغيير المقاربة من خلال حفز التنمية الاقتصادية ودعم السياسات المالية والنقدية وخلق فرص عمل في الأردن لمصلحة الأردنيين واللاجئين السوريين".
لكن مقابل الإطراءات التي انتزعتها وثيقة "العقد" التي تحمل تهديدا مبطنا تجاه المجتمع الدولي، فإن هناك إشكاليات تتعلق بفلسفتها وأهداف محاورها في التعامل مع أزمة اللاجئين، بحسب خريطة طريق أوسع.
إذ يعتقد اقتصاديون وساسة أن دول أوروبا ترغب في أن يلتزم الأردن بمشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي الكلي على نحو أكثر جدية ووضوحا بدلا من ربطه ببعض الإصلاحات وبملف اللاجئين وزيادة الاعتماد على المنح لشراء الوقت وكسب رضا الشارع مع بعض مساحيق التجميل على قانون الانتخاب. وربما كان من الأجدى تقديم خطة إصلاح سياسي-اقتصادي طال انتظارها إلى جانب وثيقة "العقد"، لطمأنة المانحين إلى حسن النوايا الشمولية وسط تنامي هواجس الجهات المانحة من تراجع الأردن عن الإصلاحات السياسية، وتوقيف نشطاء، والتضييق على الإعلام.
تتوزع الأموال المطلوبة على البنود التالية: 2.48 مليار دولار على شكل تدخلات عاجلة لمساعدة اللاجئين؛ 2.45 مليار دولار لتقوية قدرات المجتمعات المضيفة على التعامل مع اللاجئين، من خلال دعم قدرات الحكم المحلي وتعزيز شبكات الصرف الصحي والمياه والطرق وبناء 300 مدرسة خلال السنوات الثلاث المقبلة لضمان عدم بقاء أي طفل أردني أو سوري خارج أسوار الدراسة بدءا من 2016/ 2017. كما تطلب عمان 3.2 مليار دولار لدعم الموازنة التي تحتاج لموارد إضافية بعد تراجع العوائد بسبب أزمات الإقليم وكلف ضبط الأمن.
مقابل ذلك، يبدي الأردن مرونة تجاه ملفات إشكالية عديدة طالما طالبته بها الدول المانحة، ومنها السماح للسوريين بالعمل بصورة شرعية، بوجود 100 ألف سوري غالبيتهم يعملون من دون تصاريح عمل، ومهددّون بالإبعاد في حال ضبطوا في مخالفة للقانون. وقد تضطر عمان لاستخدام كرتها الأقوى للضغط على المانحين للحصول على الحد الأقصى من الدعم، من خلال السماح لحوالي 20 ألف سوري (رجال ونساء وأطفال) يعيشون منذ أشهر في العراء في منطقة عازلة، بالاستقرار في أحد المخيمات المجهزة في المملكة. فالحكومة ما تزال تعارض الفكرة لأسباب أمنية بسبب خشيتها من تغلغل أنصار تنظيم "داعش" بينهم، لكنها تسمح يوميا بدخول بين 50 و70 لاجئا، يختارهم شيوخ المخيم بالتشاور مع الأردن، بينما يصل هذه المنطقة يوميا ذات العدد تقريبا.
لإثبات حسن النوايا، ستطلق الحكومة مشروعا رياديا عبر تسمية خمس مناطق تنموية تزود بحوافز استثنائية، بموجب قانون الاستثمار الجديد، لخلق فرص عمل لأردنيين وسوريين هذا الصيف. وكلما زادت فرص اختراق الأسواق الأوروبية، زادت إمكانات توفير فرص عمل قد تصل إلى 100 ألف فرصة نصفها لتشغيل سوريين، بحسب الوثيقة. كما تلتزم الحكومة بتغيير التعليمات الإدارية بما يسمح للسوريين بنيل تصاريح عمل خارج هذه المناطق التنموية، وتحديدا في قطاعات تفتقر للعمالة الأردنية، مثل الزراعة والنظافة، والبناء وصناعة النسيج والزينة اليدوية. وفي ذلك سابقة، بعد أن كانت الحكومة تتشدد في منح تصاريح عمل للسوريين. كما ستساعد الحكومة السوريين على قوننة أعمالهم القائمة ومأسسة منشآت تولد الضريبة. وتسهّل على المستثمرين أيضا استصدار إقامات، وتفتح المجال للعمل في بعض البلديات من خلال شركات خاصة، لكن من دون منحهم ضمانا اجتماعيا وعوائد عمل تعاقدية. كما ستزيل الحكومة أي عوائق تمنع المبادلات التجارية البسيطة داخل مخيمات اللجوء وبين هذه المخيمات والمناطق المحاذية لها. وفي حال سارت الرياح كما تشتهي السفن، فإن هذه التغييرات قد توفر فرص عمل إضافية لـ100 ألف سوري بحلول العام 2018.
تغير موقف الأردن حيال التعامل مع كارثة اللجوء لم يكن ممكنا لولا إحساس أوروبا بثقل تبعات تدفق أكثر من مليون لاجئ إليها العام 2015 -خصوصا إلى ألمانيا- غالبيتهم رجال وأطفال فروا من سورية ودول الجوار بعد أن يئسوا من الأبواب الموصدة أمام فرص العمل والظروف المعيشية والسكنية البائسة. وأيضا غضب الأردن من حصول تركيا على صفقة دعم أوروبي بقيمة 3 مليارات دولار لقاء إغلاق الباب أمام هجرة السوريين إلى أوروبا. اليوم، تلعب عمّان على وتر أجواء أوروبا بعد أن استفاق ساستها وشعوبها من هول صدمة أمواج اللاجئين غير المتوقعين؛ إذ تتسابق الحكومات لتغيير قوانين اللجوء وتقييدها نتيجة تحمّل كلف إيواء عالية مقارنة مع استضافتهم في دول الجوار. معطوفا على ذلك تحديّات أمنية وسياسية جديدة حملها لاجئون لا يتكلمون لغات أوروبا، وتخرجوا من نظم تدريس لا تؤهلهم للتأقلم داخل هذه المجتمعات المدنية أو العمل فيها بسبب فجوة المعرفة. كما أنهم لا يشاطرون سكانها القيم الثقافية والمجتمعية أو الموروث الديني، ما يشي بتوجه أوروبا وأميركا نحو اليمين والمزيد من الانغلاق والتشدد.
على أن ثمّة شعورا متناميا بأن الأردن يبالغ في رهانه على سرعة الحصول على مكاسب تسمح له بدخول سوق الاتحاد الأوروبي، ذلك أن تسهيل قانون قواعد المنشأ قد يأخذ وقتا طويلا. وهناك شكوك حول قدوم شركات أوروبية حدّدها الأردن كشركاء محتملين للعمل في المناطق التنموية الخاصة، إذ إن رأس المال لا يتبع المشاريع الإنسانية، بل يسعى للربح في دول تضمن الحد الأدنى من أسس اقتصادات السوق وفصل السلطات. كما أن وثيقة العقد لا تركز على تحقيق العدالة الجندرية وتوسيع فرص انخراط المرأة السورية في فرص العمل. ويبرز السؤال المليوني: من هي الجهة أو الجهات التي ستراقب امتثال الأردن للوعود التي يطلقها في وثيقة "العقد"، وبخاصة تلك المتعلقة بتنفيذ سياسات خلق فرص عمل للاجئين السوريين؟

التعليق