الهند تتطلع إلى الخارج

تم نشره في الخميس 4 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً
  • عامل في أحد مصانع النسيج الهندية - (أرشيفية)

آرون جايتلي*

نيودلهي- اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لم تعد توجد دولة منعزلة تعيش في جزيرة وحدها، في إعادة صياغة لما قاله الشاعر جون دون. وقد أدركت الهند هذه الحقيقة أيضاً؛ حيث أصبحت مندمجة بشكل كامل في الاقتصاد العالمي عن طريق الاتجار بالبضائع والخدمات، بالإضافة الى تدفق رؤوس الأموال والتكنولوجيا والأفكار. وبطبيعة الحال، تلعب الأعداد الكبيرة والمنتشرة من الهنود في الشتات دوراً فريداً في تقوية روابط الهند بالعالم كله.
اليوم، تحتل الهند موقعاً خاصاً في هذا العالم الكبير. وبينما تشعر العديد من البلدان -من الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء- بالقلق النفسي المتزايد، بل وحتى اليأس، فإن الهند أصبحت منارة للأمل والتغيير الإيجابي والدينامية الاقتصادية.
لقد استقر اقتصادنا، وانخفض معدلات التضخم، وأصبح سعر صرف الروبية ثابتاً، كما أن التزامنا بالانضباط المالي هو التزام قوي. ومن المتوقع أن يشهد النمو الاقتصادي الذي يعتبر الأسرع بين الاقتصادات الرئيسية المزيد من النمو. ولذلك، من غير المفاجئ أن يتدفق المستثمرون إلى أسواقنا.
ولكن، مع شعورنا بالفخر بإنجازاتنا، فإننا ندرك أيضاً مسؤولياتنا، وأنا أعلم أن الشعب الهندي قد أعطى الحكومة التي أخدم فيها تفويضاً للقيام بتغييرات اقتصادية وإصلاحات سياسية جوهرية. وسوف نحترم نحن بدورنا هذا التفويض الذي يتطلب منا في عصر العولمة أن نحقق نمواً شاملاً في الداخل، والمشاركة البناءة على المستوى العالمي.
أحد الأسباب وراء التركيز على النمو الشامل هو أن الهنود أصبحوا اليوم مختلفين عن جيل فترة ما بعد الاستقلال. وبعكس ذلك الجيل أصبحت الغالبية الساحقة من الهنود اليوم -وحتى الأكثر فقراً- يعتبرون أنفسهم من الطبقة المتوسطة. إن هندي القرن الواحد والعشرين هو أصغر سناً في المعدل، مقارنة بأي مكان آخر في العالم تقريباً. كما يشعر الهندي اليوم بالثقة -والأهم من ذلك كله بالطموح. وهنود اليوم، الذين شهدوا تغيراً إيجابياً واختبروا حياة أفضل وحصلوا على فرص أوسع، يطلبون المزيد، وهم محقون في ذلك. والتحدي الذي يواجهنا الآن هو تلبية توقعاتهم.
لهذا السبب، فإن النمو الشامل ليس تعويذة بقدر ما هو ضرورة وجودية. فنحن بلد كبير وفيه اختلافات عديدة في الطبقات واللغات والأديان، بالإضافة إلى العمر والجنس والآراء. وسيكون الاحتفاء بتلك الاختلافات والمحافظة عليها مصدراً للغنى الثقافي والأفكار الجديدة. وقد وجد الاقتصاديون أن مثل هذه المجتمتعات غير المتجانسة تواجه تحديات أكبر على الطريق إلى تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية.
وهناك مجال أكبر للصراع السياسي الذي قد يهدد السعي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية. عندما يكون الناس مختلفين، فإنهم يميلون إلى عدم الثقة ببعضهم بعضا، مما يزيد من صعوبة حكمهم. وقد يؤدي إلى خيارات سياسية رديئة.
إن تحقيق النمو الشامل سوف يشكل الأساس من أجل المشاركة الهندية على المستوى الدولي. وقد انتهت سنة 2015 بجهدين رئسيين فيما يتعلق بالتعاون الدولي متعدد الأطراف، هما مؤتمر تغير المناخ في باريس، ومفاوضات منظمة التجارة العالمية من أجل اختتام أجندة تنمية الدوحة في نيروبي، علماً بأن الهند تنوي أن تكون لاعباً بناءً في كلا الجهدين، لأسباب ليس أقلها أن لدينا الكثير الذي ما يزال على المحك.
تذكرنا الفياضانات الأخيرة التي حدثت في ولاية تاميل نادو بأن الهند على وجه الخصوص معرضة للتغير المناخي. وقد بذلنا جهوداً كبيرة من أجل زيادة دور الطاقة المتجددة وتسعير الكربون بشكل مباشر وغير مباشر، ودعم الاستثمارات العامة الصديقة للبيئة. ونحن ندعو الاقتصادات المتقدمة إلى اتخاذ إجراءات من أجل تسعير الكربون، وهو أمر أصبح مهماً على وجه الخصوص في أعقاب الانخفاض الكبير في سعر النفط وغيره من أنواع الوقود الأحفوري الأخرى. ويشكل تعزيز الابتكار في التقنيات الصديقة للبيئة، بما في ذلك الفحم الأخضر، العامل الوحيد الذي سوف يمكننا من إحداث توازن بين الحاجة الملحة إلى توفير الطاقة لمئات الملايين من البشر، وبين الوصاية الجيدة على كوكبنا.
تدرك الحكومة الهندية والشعب الهندي أن التجارة هي محرك للتنمية ومصدر للفعالية والدينامية. وتشكل المشاركة متعددة الأطراف بين الدول أفضل طريقة للتحقق من بقاء الأسواق العالمية مفتوحة للجميع، وليس فقط للقله. وتتطلب المحافظة على منظمة التجارة العالمية وتنشيطها أن يتم اختتام جولة الدوحة بنجاح. ويتمثل هدفنا في التحقق من حماية مصالحنا التنموية، وخاصة أرزاق ملايين المزارعين، ومن ثم وضع إطار لأجندة تتحقق من أن تلعب المشاركة متعددة الأطراف بين الدول دوراً حاسماً في المحافظة على الأسواق وفتحها في المستقبل أمام جميع الدول.
لقد قدم المهاتما غاندي، والد الأمة، أفضل وصف لكيف يمكن للهند أن تتعامل مع العالم، حيث تمنى "أن تهب جميع ثقافات الأرض على منزلي بأكبر قدر ممكن من الحرية، ولكنيني أرفضأن تطيح بي أرضاً".
إننا لا نريد أن ينعزل الاقتصاد الهندي من جميع الجهات، أو أن نغلق نوافذنا عن العالم. إننا نريد أن تهب على البيت الهندي رياح التعلم والخبرة القادمة من الخارج، ورؤوس الأموال الأجنبية، والتكنولوجيا والريادة. وسوف تتعامل الهند مع العالم بانفتاح، وإنما أيضاً بثقة بقيمنا وتاريخنا الغني والمستقبل الواعد، وهي الأمور التي ستحمينا من الإطاحة بنا أرضاً.

*وزير الشؤون المالية وشؤون الشركات والإعلام والإذاعة في الهند.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق