تسريبة "المسكوكات المسروقة" تصنع قضية رأي عام مهمة

تم نشره في الثلاثاء 9 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

أحمد أبو خليل

وفق الصحفي في يومية “الغد”، الزميل رداد القرالة، الذي كشف القضية التي اشتهرت مؤخرا باسم: “المسكوكات الذهبية”، فإن الأمر بدأ بتسريبة صحفية من مصدر داخل دائرة الآثار العامة، امتنع القرالة عن الإفصاح عن هويته من باب الحفاظ على سرية مصادر المعلومات وحمايتها.
نحاول هنا أن نجتهد في تتبع النشر حول هذه القضية من الناحية المهنية، إذ من الواضح أننا أمام نموذج لممارسة صحفية تندرج في صلب المهمة الموكلة إلى وسائل الإعلام، وهي تمكين الجمهور من المعرفة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن العام.
نُشر الخبر الأول المتعلق بقضية المسكوكات في “الغد” بتاريخ 24 كانون الثاني بعنوان: “تحقيق “سري” باستبدال مسكوكات أثرية بأخرى مزيفة”، ولغاية تلك اللحظة، لم تكن كلمة “مسروقة” قد استخدمت في تغطية القصة. وقد تميز العنوان بالدقة، ذلك أنه عكس محتوى المادة (التسريبة) التي تتحدث حصريا عن “تحقيق رسمي يجري منذ عدة أسابيع”، أي أن الجديد في خبر الصحيفة هو كشف عنصر “سرية التحقيق” في عملية “الاستبدال”، لكون المصدر لم يزوده بمعلومات عن المسكوكات نفسها. وفي هذا الخبر تتضح محاولة الصحفي الحصول على معلومات إضافية، وقد سجل بعضها على لسان مصادر، كما تضمن الخبر خلفية مناسبة عن القضية قدمت معلومات عن المتحف الذي حصلت فيه الحادثة، وعن عدد المتاحف وأوضاعها.
القضية تفاعلت مباشرة، بخاصة على المواقع الإلكترونية، وقد حاول بعض المواقع إضافة عناصر جديدة، فعلى سبيل المثال (لا الحصر)، قرأنا مواد منشورة في موقع خبرني 30 كانون الثاني (يناير) وموقع النبأ في 1 شباط وموقع سرايا في 31 كانون الثاني، لكنها بقيت في إطار المواد السريعة التي تتميز بها المواقع الإلكترونية عموما.
أما الصحف الورقية، فقد صمتت عدة أيام، ربما في سياق “المبدأ” الصحفي “غير المهني” الذي يقول بعدم متابعة قضية طرحتها صحف زميلة! غير أن هذه الصحف لم تواصل الصمت، خصوصا بعد أن طُرح الموضوع للنقاش في مجلس النواب الحكومة، لكن أغلب المتابعات في هذه الصحف، ظلت تدور حول تطورات الموقف النيابي والحكومي، وبعض التصريحات الرسمية لوزير السياحة والآثار، ومدير دائرة الآثار. كما نشرت السبيل في 1 شباط (فبراير) متابعة جمعت فيها ما نشر من مواقف وتصريحات في تقرير واحد.
لكن يسجل هنا لصحيفة “الرأي” أنها نشرت مقالا للأكاديمي الأردني المختص بالآثار، زيدان كفافي، وذلك على مساحة واسعة من الصفحة الأولى لملحق “أبواب” في 31 كانون الثاني بعنوان: “حكاية المسكوكات المزيفة والمواقع الأثرية المدمرة”، قدم فيه خلفية مهمة لقصة الآثار وإهمالها وسرقتها وتزييفها في مختلف المواقع الآثارية، ولكن المؤسف أن هذه المقالة المهمة لم يعد نشرها، سوى موقعين، هما “رصين” و”سواليف”، بينما لم تجد فيها باقي المواقع ما “يغري” بإعادة النشر! غير أن الملاحظ أيضا أن الصحيفة نشرت المقالة في ملحق متخصص بالمنوعات وأسلوب الحياة! ولم تضعها في سياق النقاش الدائر في قضية على درجة عالية من الخطورة والحساسية.
صحيفة “الغد” صاحبة السبق في فتح القضية، نشرت متابعتين أخريين، إحداهما في 27 كانون الثاني (يناير) وقد تضمنت معلومات جديدة مهمة تتعلق بالقضية، بخاصة في ما يتعلق بمكتشف “التزوير”، الذي اتّضح أنه باحث فرنسي، وهو ما أعطى عناوين جديدة، باعتبار أن القضية لم تُكشف من قبل دائرة الآثار ذاتها، كما قدمت بعض الأرقام حول عدد المسكوكات التي تعرضت للتزييف.
في اليوم التالي 28 كانون الثاني نشرت الصحيفة ذاتها (الغد) معلومات منسوبة إلى مصدر حكومي، حددت عدد المسكوكات التي استبدلت، الذي بلغ 401 قطعة وأماكن اكتشافها (منطقتي عراق الأمير وعبدون)، كما أشارت إلى عدد آخر من القطع يجري التحقيق بمصيرها.
في اليوم الذي يليه كتبت رئيسة تحرير “الغد”، جمانة غنيمات، مقالتها اليومية بعنوان “إنهم يسرقون التاريخ” تناولت فيه القضية، ووصفت مصادر التسريبة التي زودت الصحيفة بالخبر بأنها “شخصيات حريصة على المصلحة العامة سعت إلى تقديم جزء من الحقيقة بقدر ما يتوفر لها من معلومات، نتيجة التكتم المبالغ فيه حول الجريمة”، وفي المقالة تبنت غنيمات وصف “مسروقة” وأشارت إلى معطيات جديدة توحي بأن “الجريمة” هي ممارسة قديمة، وأن الحادثة ليست الأولى.
عند هذه النقطة حصل تحول جديد في مجرى التناول الإعلامي، ففي محاضرة ألقتها رئيسة تحرير “الغد” في نادي روتاري عمان، قالت إن الصحيفة تلقت أمرا بمنع النشر حول قضية المسكوكات، وهو مقطع من المحاضرة لم نعثر على أي وسيلة نقلته سوى موقع “صحح خبرك”، الذي نشره بعنوان: منع “الغد” من النشر في المسكوكات وحقبة النسور الأسوأ، وسيلاحظ من يتتبع رابط الخبر أنه موجود على النسخة المخبأة في محرك البحث “غوغل”.
تقول غنيمات في اتصال مع “أكيد” إنها تلقت اتصالا شفهيا من مصدر قضائي يطلب وقف النشر في الموضوع، وإنها لم تتلق الأمر خطيا، مضيفة أن الصحيفة التزمت بالطلب، لكنها لاحظت، مع ذلك، أن وسائل الإعلام الأخرى تواصل النشر، ما يدفعها للتساؤل إن كانت “الغد” تحديدا هي وحدها الممنوعة من النشر؟
الصحفي صاحب السبق، رداد القرالة قال لـ”أكيد” إنه شخصيا لم يتعرض لأي ضغوط بعد النشر، بل أشار إلى أن نشر الخبر الأول دفع متطوعين آخرين لتقديم ما لديهم من معلومات تتعلق بالقضية ذاتها، أو قضايا مشابهة.
في الأيام اللاحقة عموما، تراجع حجم المتابعات، واقتصر في آخر ما نشر (حتى كتابة هذا التقرير) على خبر مطول لوكالة الأنباء الرسمية “بترا” في 1 شباط (فبراير) تناولت فيه تطورات النقاش النيابي الحكومي، ووجدت “الغد” (على ما يبدو) في هذا التقرير فرصة لتجاوز أمر المنع من النشر، فأعادت نشره بتوقيع “بترا” في 2 شباط، لكنها أضافت إليه تذكيرا بأنها صاحبة المبادرة في النشر.
يوضح السياق المعروض لتتبع النشر الإعلامي في هذه القضية، أننا كنا أمام ممارسة مهنية ناجحة، فقد تمكن الصحفي في “الغد” من الحصول على تسريبة موثقة وصحيحة، وهو ما لم تتمكن أية جهة من إنكاره، كما أن التسريبة تتناول قضية جوهرية حساسة على مستويات عدة، وهو ما جعل منها قضية رأي عام، دفعت الكثيرين للتساؤل والانتباه إلى مخاطر حقيقية تطال أملاكا عامة مادية ومعنوية.
المنع من النشر، حصل بشكل شفهي وحصري، ولم يعمم، كما جرت العادة، وقد التزمت “الغد” بطلب المنع، رغم أن الصحيفة تدرس قانونية هذا الطلب، وقد استمر النشر من الناحية الفعلية، ولكن باستثناء مقالة الأكاديمي زيدان كفافي المشار إليها، فإن إضافات جوهرية لم تحصل على ما نشرته "الغد" أصلاً.

التعليق