الطائفة والمذهب في الإسلام

تم نشره في الأربعاء 10 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

د. معين سعيد الغول

كعادتي، قرأت للدكتور عاصم منصور مقاله المنشور في "الغد"، بتاريخ 20 /1 /2016، والمعنون"السُنّة كطائفة". وقبل أن أبدأ بالتعليق على المقال، أود أن أوضح أنني معجب كل الإعجاب بما يكتب د. منصور، كما أنني معجب بقدراته العقلية في حقل دراسته وهو الطب، ومعجب كذلك بقدراته الثقافية، فهو إنسان عالم في طبه وموسوعي في أمور الحياة الأخرى؛ إذ يكتب في الإدارة واللغة وعلم الاجتماع وسلوكيات الإنسان. وأكثر من ذلك أعتقد أنه يستطيع أن يكتب ويجيد بكل ما تحويه الحياة البشرية من علوم وإدارة واجتماع. وأنا لا أتملق الرجل، لأنني لا أعرفه ولم ألتق به، وكذلك هو لا يعرفني.
قرأت المقال المشار إليه أعلاه، وقد أعجبني جدا كغيره من مقالاته. لكنني أردت أن أوضح، حسب معلوماتي المتواضعة، كيف نشأت الطائفية التي تسمى مرات كثيرة بالمذهبية في صدر الإسلام، وما تزال مستمرة؛ تخبو أحيانا وتظهر أحيانا أخرى. والكل يعرف لماذا تظهر.
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بما يحمله للبشرية قاطبة من خير في دنياها وآخرتها. وهذه الرحمة لم تكن فكرا أرضيا، بل كانت رسالة السماء للأرض. وجاهد الرسول الكريم في سبيل هذه الرسالة 23 سنة، ولم يذكر في أدبيات المسلمين مصطلح الطائفية والمذهبية.
انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وجاء صاحبه أبو بكر الصديق فخلفه في الحكم ونشر الإسلام، واستقام وعدل طيلة فترة حكمه. ولكن في الأيام الأولى من استلام الصديق خليفة لرسول الله، ظهرت مجموعة من كبار الصحابة، كسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهما، وأظهروا الحب والولاء لعميد آل البيت علي بن أبي طالب، وسموا أنفسهم وسماهم الناس شيعة علي أو شيعة آل البيت أو أحباب آل البيت، وذلك تجاوبا مع الآية القرآنية "قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى". ومعروف للناس صلة قربى علي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وسبقه في الإسلام، وجهاده الذي يشهد له به كل مسلم.
لكن هذا المصطلح لم يعكر صفو المسلمين، لأن خليفة المسلمين هو صاحب الرسول وثاني اثنين إذ هما في الغار، وكذلك لعدله، ولما قام به من نشر الإسلام. كما كان على الطرف الآخر علي بن أبي طالب، وهو الغني عن أن نذكر موقعه وصفاته.
انتقل الخليفة أبو بكر إلى الدار الآخرة، وخلفه عمر بن الخطاب؛ فحكم واستقام وعدل، وقام بنشر الإسلام في الأمصار حتى توفاه الله. فتبعه الخليفة عثمان بن عفان، فحكم وعدل ونشر الإسلام في الأمصار، ولكن ظهرت الفتنة في آخر أيامه. وكانت ذروة الفتنة مقتل سيدنا عثمان. وبايع أهل الحل والعقد في المدينة سيدنا علي، وهنا كشرت الفتنة عن أنيابها، وحدثت معركة الجمل ثم تلتها معركة صفين، وكان طرفاها خليفة مبايع من الناس، والآخر والي بلاد الشام معاوية بن أبي سفيان، فانقسم المسلمون إلى فسطاطين؛ جل أهل الإسلام في فسطاط علي، وبلاد الشام في فسطاط معاوية. وانتهت الحروب بين خليفة مبايع له من المسلمين ووالي بلاد الشام الذي أبى المبايعة تحت حجة تسليم قتلة عثمان له ليقتلهم.
بعد استشهاد الخليفة علي بن أبي طالب، بايع المسلمون ابنه الحسن، فأصبح خليفة شرعيا. لكن معاوية أبى أن يبايع، علما أن من ادعى معاوية أنهم قتلة سيدنا عثمان قد قُتلوا. وتم الصلح بين الخليفة الشرعي الحسن بن علي وبين والي الشام بتنازل الأول للثاني، وسمي هذا العام بعام الجماعة.
هنا نظر الداهية والعبقري معاوية إلى الأوراق التي يمسكها والتي تدعمه في الحكم، فلم يجد إلا شرعية جاهلية؛ إذ كان أبوه زعيما من زعماء قريش، وهذه لا تعتبر شرعية تدعمه. فنظر في الأحاديث النبوية فوجد فيها حديث النبي: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"؛ فوجد ضالته في هذا الحديث، وابتدع مصطلح أهل السنة، وأضاف عليه كلمة الجماعة، إذ اجتمعت كلمة المسلمين فأصبح المصطلح "أهل السنة والجماعة"، واتكأ على هذا المصطلح في مقابل شرعية آل البيت.
من هنا ظهر مصطلح أهل السنة والجماعة، وهم من ساروا مع معاوية وشايعوه، ومصطلح الشيعة وهم من شايعوا آل البيت، وأصبح المصطلح له مفهوم واضح وجلي بأنه مصطلح سياسي وليس عقديا. وهذا ما قصدته من كلامي أن مصطلح السنة والشيعة مصطلح سياسي تحديدا.
تبقى هناك ملاحظة لا بد من تسجيلها. إذ هناك خطأ شائع بين الناس؛ شيعتهم وسنتهم، إذ يصفون آل البيت، سواء من سمي منهم بالسادة أو من سمي بالأشراف، بأنهم شيعة. والحقيقة تقول إنهم ليسوا شيعة، لأن الناس شيعة لهم.

التعليق