علاء الدين أبو زينة

مترجمو الاحتلالات: خيانة مضاعفة..!

تم نشره في الخميس 11 شباط / فبراير 2016. 12:06 صباحاً

يعرف المشتغلون بنظرية الترجمة وممارستها عما يُدعى "خيانة" المترجمين. ويُقال إن المترجم لا يمكن أن يكون وفياً تماماً للنص الأصلي، مهما اجتهد. فالكلمات لا يمكن أن تعمل بنفس الطريقة في اللغات المختلفة، ولا أن تعبِّر عن نفس المعنى، ولا هي تستحضر نفس الصور والعواطف والانطباعات. ولأن المترجم يخون الكلمات المفردة بهذا المعنى، فإنه يخون اللغة الأصل كلها، ومعها الثقافة التي تعبر عنها تلك اللغة.
ويتحدث المترجم الأميركي غريغوري راباسا، عن أنواع من الخيانات الشخصية التي تُرتكب في الترجمة. ثمة الخيانة للكاتب الأصلي، بما أن المترجم لا يحتفظ بكلمات المؤلف ومعانيه ذاتها حتماً. وثمة خيانة للقارئ الذي يتلقى مجرد تأويل المترجم وإعادة تخليقه للنص الأصلي. بل إن هناك خيانة المترجم لنفسه، بما أننا "(نحن المترجمين) نضحي بأفضل حدوسنا لصالح معيار سائد مضجر، خوفاً من خيانة المهمة التي كُلفنا بها"، كما يقول.
يمكن في الحقيقة تعقب شكل من "الخيانة" حتى في الموسيقى؛ الشكل التعبيري الأكثر تجريداً بكثير من لغة الكلمات، بحيث يقال إنها "اللغة" العالمية. ويعرف المشتغلون بها أيضاً أن العازف من الثقافة المختلفة يصعب أن يترجم "النوتة" المكتوبة إلى مقطوعة تطابق تماماً طريقة عزف المؤلف، على الأقل بسبب تباين الحس الثقافي المخصوص، والحدسي أيضاً. لكن النتيجة الكلية لفعل الترجمة تبرر التواطؤ في قبول هذه الخيانات الحتمية، في سبيل الإشراقات الهائلة التي تصنعها هذه العملية الحيوية. لا أحد يستطيع قراءة كل النصوص بلغاتها الأصلية. ولنتصور، مثلاً، الخسارة التي ينطوي عليها تفويت أعمال ونظريات شكسبير، أو آينشتاين، أو فرويد وبقية المبدعين والعلماء، بالنسبة لأصحاب اللغات الأخرى. سوف يكون العالم بلا ترجمة فقيراً ومقطوعاً، تكلم فيه كل ثقافة نفسها فقط.
باختصار، لا يمكن الحديث عن "تثاقف" أو عالمية للمعرفة من دون فعل الترجمة. كما أن جزء الخيانة -بالمعاني المذكورة- يظل نسبياً، اعتماداً على خيال المترجم واطلاعه وموضوعه. لكنَّ هذه العملية تنطوي أيضاً على خيانات أخرى قد يمارسها المترجمون، أو يتعرضون لها أيضاً.
هناك جانب لا يتعلق بالفنيّات، وإنما بالأخلاقيات. وقد لفتني بهذا الخصوص مقال افتتاحي لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مؤخراً، يتحدث عن المترجمين الأفغان الذين عملوا مع القوات الأميركية أثناء الغزو. ويسرد المقال عقبات وتشريعات يضعها الكونغرس الأميركي، بغية التهرب من الالتزامات والوعود التي بذلها الأميركيون لهؤلاء المترجمين، ثم أخذوا يتنكرون لها.
يصعبُ تصوُّر ما يفكر به المترجم، حين يقبل العمل مع عدو غزا بلاده ودمرها -حرفياً. لكنَّ الأمر يتعلق غالباً بفساد الحُكم والرأي أمام الإغراءات والمال. ولا شكَّ أن عمل المترجمين مع الغزاة، في أفغانستان أو العراق، تضمن المشاركة في الغارات على البيوت، ومشاهدة إذلال مواطنيهم وقتلهم. ولا بُدَّ أنه شمل أيضاً حضور عمليات التحقيق مع مواطنيهم، ورؤية تعذيب الموقوفين الذي يكفي تخيله إرسال قشعريرة في الأطراف. وبالإضافة إلى ذلك، يغلب أن تصاحب هذا العمل مشاعر متفاوتة من تأنيب الضمير، أو الخوف وانعدام الثقة بالسيد الغريب ونظرته الفوقية المزدرية.
كما يبين المقال المذكور، فإن المحتل لا يمكن أن ينطوي على احترام حقيقي للذين يخدمونه من أبناء المناطق المحتلة، سواء كانوا مترجمين أو مخبرين. وغالباً ما ينتهي المطاف بهؤلاء وقد خسروا الأرض والسماء. وعلى سبيل المثال، وعد الأميركيون مترجميهم الأفغان بتأشيرات انتقال إلى الولايات المتحدة إذا عمل أحدهم سنة معهم. لكن الكونغرس سن تشريعاً جديداً يزيد مدة العمل إلى سنتين، وأرفقه بمطالب تعجيزية.
مثلاً، أصبح يُطلب من المترجم إحضار رسالة توصية من المشرف الأميركي -أو المشرفين- الذين عمل معهم لسنتين. وكما يلاحظ المقال، فإن من شبه المستحيل العثور على هؤلاء المشرفين الذين غادر معظمهم مع القوات المنسحبة، أو ماتوا أو اختفوا. كما يُطلب من المترجمين تقديم وصف للتهديدات التي واجهوها نتيجة لعملهم، والكثير من الوثائق المصدقة والتعقيدات.
لو كان الناس يتعلمون من الدروس الجاهزة، لتعلموا أن عمل المرء مع محتلي وطنه لن ينتهي به إلى كسب. وإذا كانت الترجمة تنطوي على "خيانة" حميدة أساساً، فإن خيانة مترجمي الاحتلالات لا يغفرها شيء!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعمال المكتبة العربية في سكرتارية الامم المتحدة في نيويورك (د. عبدالله عقروق \ فلوريدا)

    الخميس 11 شباط / فبراير 2016.
    حينما كنت مسؤلا عن تاسيس المكتبة العربية في مكتبة داج همرشولد التابعة الى سكرتارية الامم المتحدة الامريكية بعد ان انتدبتني الامم المتحدة عام 1975 لانشيء المكتبة العربية على اعتبار ان اللغة العربية اصبحت من اللغات الرسمية في كل المنظمات الاممية .وبدات عملي باثراء المكتبة بكل المعاجم المتوفرة بشتى انواع العلوم الموجودة في الاسواق كمراجع وثم شراء معظم كتب القوانين العربية والاجنبية والتجارة والطبيية والسياسية وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد للرجوع اليها كمصادر لقسم الترجمة .وجهزت وزملائي في المكتبة مجلة شهرية تصدر من المكتبة بقائمة ببلوغرافية عن موجودات المكتبة والتي تضاف كل شهر ووزعزناها على مئات المترجمين العرب في كل منظمات الامم المتحدة . والعمل الفني الشاق كان اصدار منشور اخر شهري بقائمة ببلوغرافية عن المصطلحات العلمية والكلمات والجمل منقولة من القواميس والمعاجم وكل المصدار المتوفرة لاعتمادها كمداخل اساسية على كل مترجم استعمالها واعتمادها حرفيا في ترجمته حتى نمنع اجتهاد كل مترجم لاجل توحيد كل الادخالات حسب ما هو منشور في القائمة الببلوغرافية .فاصبح كل مترجم ومترجمة اعتمادها تماما كما وردت في المراجع المتوفرة وهكذا وحدنا الادخلات بكل المواضيع واضفنا ايضا اجتهادنا الشخصى في المكتبة بعد دراسة ومناقشة كل ادخال جديد لم نجده في مراجعنا . هذا هو اهم اعمال المكتبه في تقديمه توحيد الادخالات توحيد الموضوعات المقررة والزام كل مترجم عدم الاجتهاد والاعتماد الكامل العلمي الفني لاتباعه