موفق ملكاوي

السياسة بين الدراسات المستقبلية والارتجال

تم نشره في السبت 13 شباط / فبراير 2016. 01:05 صباحاً

رغم وجوده في منطقة صراعات مستمرة منذ تأسيسه، إلا أن الأردن بدا دائما كأنما يتفاجأ مع كل حدث يفرض عليه سياقا سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا معينا، لتعبّر سياقات ردة فعله عن ارتجال، يقود -أحيانا- إلى عكس ما تقتضيه المصلحة الأردنية.
شاهدنا الارتجال الأردني في جميع الأحداث التي عصفت بالمنطقة، خصوصا الحديثة منها، منذ الأزمة العراقية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وصولا إلى الصراع في سورية والحرب الطاحنة التي ما تزال تدور هناك، وما رافق ذلك من تحديات كبيرة فرضت على الأردن وضعا لم يستطع التكيف معه حتى اليوم.
ورغم الخبرة، التي ينبغي لها أن تكون تراكمية، في أشكال الصراع في المنطقة ومخرجاته التأثيرية على المحيط ، إلا أن السياسة الأردنية بدت دائما في حال من الارتباك والتخبط، وتغيير السلوك من النقيض إلى النقيض، من دون أن تهتدي إلى "وصفة سحرية"، أو طريق سليمة وآمنة للتعامل مع تلك الأحداث. 
الغائب الأكبر في جميع السياسات التي انتهجتها الدولة تجاه تلك الأزمات، هو المعرفة الأكيدة المسبقة بالجغرافيا القلقة للمنطقة، والنظم السياسية الهشة القائمة فيها، فضلا عن الفسيفسائية المتعددة للطوائف الإثنية والدينية والتي تشعر بالغبن بسبب عدم نيلها العدالة الاجتماعية والسياسية حتى اليوم.
لكن الأمر لا يتوقف على جانب التأثر بالمحيط فقط. فالخبرة الأردنية تبدو محدودة في التعامل، كذلك، مع الملفات الداخلية المهمة، ليسيطر الارتجال والتخبط وعدم اليقين، على رد الفعل تجاه تلك الأزمات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
هذا التخبط تابعناه في التعامل مع موجات اللجوء؛ العراقية والسورية، وفي التعامل مع مفاوضات الأردن مع صندوق النقد الدولي، وتعامله مع ملفات داخلية حساسة؛ الفقر، البطالة، العنف الجامعي، العنف المجتمعي، الفقر المائي، المشاريع الوطنية الاستراتيجية الكبرى، وغيرها من الملفات التي كانت نوعية التعامل فيها تفتقر إلى الخبرات التي، من المفترض، أن الدولة راكمتها على مدى سنوات طويلة.
في منطقة حبلى بالمفاجآت والصراعات متعددة الأوجه والأطر، لا نظن الأزمة السورية ستكون آخر مصائبنا وابتلاءاتنا على الصعيد السياسي، كما لن يكون تخفيض المساعدات الدولية السنوية، وأزمات التزود بالغاز وتذبذب أسعار النفط، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وغيرها، هي آخر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض نفسها علينا.
من منطلقات معرفية بسيطة كتلك، يتوجب علينا أن نؤسس لنوعية أخرى من الدراسات، نترك فيها الارتجال والتخبط، نحو وضع ملامح حقيقية للحقبة الجديدة المقبلة على الأردن والمنطقة، وما يرافقها من احتمالات شتى، بعضها لا نحبذ التفكير فيه، ولكن ينبغي التعامل معه على أنه احتمال قائم وحدوثه ممكن.
هذا الأمر يحتم على الدولة الأردنية، وبشكل سريع، إنشاء مؤسسة تعنى بالدراسات المستقبلية، ووضع أطر نظرية وعملية لها، كي لا تكون مؤسسة شكلية أخرى تقتلها البيروقراطية.
المطلوب اليوم، هو تطوير الخبرة البدهية للسياسة الأردنية، ونقلها إلى آفاق علمية قادرة على وضع السيناريوهات المستقبلية؛ الحدسية والنظامية والتفاعلية، للتنبؤ بسياقات الأحداث المقبلة، ووضع أطر علمية قائمة على المصلحة الوطنية للتعامل معها، من دون أن تكون المفاجأة إحدى تجليات تلك السيناريوهات.

التعليق