أيمن الصفدي

زمن الجهل العربي

تم نشره في الأحد 14 شباط / فبراير 2016. 12:07 صباحاً

لم يجلب "الربيع العربي" على المنطقة سوى الكوارث. ويبدو أنّ حقبة الدمار التي رافقته لن تنتهي قبل أن يُغرق ثمره المرّ المزيد من بلاد العرب في الدم والكره والضياع.
تفجرّ "الربيع" رفضاً لواقع مهين. وُلد فيضان غضبٍ على استهتارٍ سافرٍ بكرامة الشعوب وحقوقها في غير دولة. لكنّه لم يتطوّر نهجاً حضاريّاً يستهدف استبدال الظلم بالعدل، والجهل بالعلم، والتطرف والانتماءات الضيقة بالانفتاح والتأسيس لهوياتٍ وطنيةٍ جامعة.
صرخة "الشعب السوري واحد"، التي واجهها الأسد بآلة قتله، فقدت صداها أمام تقوقع الناس أعراقاً وطبقاتٍ وطوائف ومذاهب. باتت ليبيا فوضى يعوث فيها عشرات "القذافيين". اليمن ساحة حربٍ لا أفق لنهايتها. وتواجه مصر وتونس تحديّات صعبة، بينما ينحدر العراق دويلاتِ وإمارات ظلامٍ لا عدل فيها ولا حرّية.
الانهيار الثقافي عابرٌ للحدود. دعاة الجهل يقتحمون بيوت الناس وعقولهم عبر فضائياتٍ ووسائل اتصالٍ من دون رادع. عشرات الألوف من الشباب يتبنّون جهل الإرهاب. الإقصائيّة تتجذّر في الوعي الكلّي، والإلغائيّة المجتمعية تجاوزت، في شراستها وتقبّلها، الإلغائيّة السياسيّة التي مارستها أنظمةٌ يُفترض أنّ "الربيع العربيّ" قام لينهيها.
تفرض نتائج "الربيع" على عالمنا العربي التمعّن في أسباب الانهيار الحضاريّ الذي يفكّكه. ردُّ ذلك إلى السياسة حصراً إيغالٌ في هروبٍ سيقود إلى قيعان أعمق من الدمار.
المعضلة في بعض جوانبها مرتبطةٌ بالفشل في بناء دولٍ حديثةٍ قائمةٍ على المواطنة والعدالة. لكنّ المشكلة الأكبر، والتي بالتأكيد غذّاها الفشل السياسي منذ قامت الدولة الوطنيّة الحديثة بداية القرن الماضي، هي تمكّن الجهل وغياب الفكر التعدّدي المستنير على مدى قرون حُيّد فيها العقل، وحوصرت خلالها الفرديّة.
لا وقف للانهيار من دون مواجهةٍ صريحةٍ مع هذا الواقع، تنتهي إلى إعادة بناء المنظومة الثقافيّة القيميّة على أسسٍ تعدّديّة مستنيرة. وهذا لا يكون بذبح الحياة أو بتغييراتٍ سياسيةٍ تُقدّم الشكل على المضمون. سبيله إصلاحٌ تعليميٌّ ثقافيٌّ. وتلك طريقٌ طويلة.
يغوص متفائلون في تاريخ أوروبا ليخرجوا بمقارباتٍ تتوسّل أملاً أنّ في نهاية التكسير الراهن بناء. هذه مقارباتٌ مغلوطة. ذاك أنّها مبنية على ما انتهت إليه التجارب الأوروبيّة، من دون الالتفات إلى الصيرورة التاريخيّة الثقافيّة التي أنتجتها.
ثورات عصرالتنوير الأوروبيّة تزامنت مع بروز أطرٍ تنظيريةٍ لمفكّرين وفلاسفةٍ شكّلت أسساً لتحرّك الشعوب، وتكرّست مذذاك هوية ثقافية وسياسية. في أوروبا، احترام إشارات المرور، تماماً كما احترام حريّة التفكير والتزام الدستور، ثقافةٌ عامّةٌ تُشكّل هويةً جامعةً للمجتمع.
وفّر "فولتير" و"جان جاك روسو" و"ديفيد هيوم" وغيرهم المرجعيّة الفكريّة لثورات الحريّة الأوروبيّة. وثارت الشعوب الأوروبيّة رفضاً لواقعٍ وطلباً لمستقبلٍ تعرف ملامحه. أين "فولتير" و"روسو" في سورية والعراق وليبيا واليمن؟ بل أينهم في بلاد العرب كلّها، حيث الصوت الأعلى للبغداديّ والجولانيّ والظواهريّ وغيرهم من دعاة الجهل الذين، وإن لم يمارسوا إرهاب قطع الرؤوس، توغّلوا في سعيهم إرهاب العقول والفكر؟
الفكر التنويريّ في العالم العربي فكرٌ أقلّويٌّ نخبويٌّ لم يبنِ جذوره في الثقافة العامة. ولن يثمّر أي "ربيعٍ" الديمقراطيّة المنشودة ما لم يسبقه "عصرٌ تنويريٌّ" عربي يجعل مبادئها جزءاً من وعيٍ عام، يصوغ أسس العقود الاجتماعية التي تحكم العمل السياسي كما التفاعلات الاجتماعية الأخرى بجميع جوانبها.
لم يطل الانهيار كلّ بلاد العرب بعد. ثمّة دولٌ ومجتمعاتٌ قادرةٌ على أن تقدّم نماذج لتقدّم حقيقيٍّ نحو مستقبلٍ مستنير. يجب حماية هذه النماذج، عبر ضبط مسيرة التغيير وفق إيقاعٍ متدرّج يبدأ من التعليم، لبناء وعيٍ كليٍ تكون فيه الديمقراطيّة والاستنارة والتعدّديّة قيماً يُبنى عليها الإصلاح والتطوير السياسيّ.
أردنّنا في مقدّم هذه النماذج. جلالة الملك حاكمٌ مستنيرٌ يستقي من إرث نظامٍ متماهٍ مع تطلّعات شعبه. حدودنا وأمننا يحميها جيش وقوى أمنيةٌ قادرةٌ محترفة. مجتمعنا في أكثريّته ما يزال عصيّاً على سموم الفرقة التي دمّرت جوارنا. الإصلاح هدفٌ مشتركٌ للشعب والنظام. والتحدّيات في جلّها إمّا اقتصاديةٌ، وإمّا مرتبطةٌ بممارساتٍ وتشوهاتٍ يُمكن معالجتها بعملٍ مثابرٍ مدروس.
لكن في زمنٍ تهبّ فيه أعاصير الجهل من كلّ صوب، وتكثر فيه أصواتٌ رفضوية لا تنفكّ تعمل على النخر بالوطن ومقوّماته، تبرز ضرورة تحصين المجتمع تعليميا وثقافيا، وتوتيد قيم احترام التعددية والاستنارة والمواطنة خطواتٍ أساسية في الطريق إلى الإصلاحات التي يريدها الشعب والملك.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخبث العربي (هاني سعيد)

    الأحد 14 شباط / فبراير 2016.
    صدقوني سيكتب المؤرخون اليهود باقلامهم ان العرب سقطوا في الهاوية مرتين الاولى بالخيانة والثانية بالجهل وفي كلتا المرتين اضاعوا اوطانهم بايديهم وبرضاهم وعن طيب خاطر وبحبهم للكراسي والمظاهر ولو كلف ذلك كل الشعب العربي