"أعراس آمنة": عرس فلسطيني ينقل معاناة أهل غزة خلال الحروب

تم نشره في الاثنين 15 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً
  • مشهد من "أعراس آمنة" - (من المصدر)

سوسن مكحل

عمان- عرضت مساء أول من أمس على خشبة مسرح المركز الثقافي (دبا الحصن) بالإمارات العربية مسرحية (أعراس آمنة) للمخرج الدكتور يحيى البشتاوي، ضمن فعاليات دبا الحصن للمسرح الثنائي بدورته الأولى.
وتحدثت المسرحية المأخوذة عن نص الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله وتحمل الاسم ذاته عن قصة الويلات والنكبات التي تمر فيها آمنة الزوجة التي تفقد زوجها وأبناءها في الحروب الفلسطينية والتي عرّج بها المخرج للحديث مباشرة عن حرب غزة الأخيرة.
بداية تخرج الأم والزوجة توزع على الجماهير أكفانا بيضاء بصمت أم ثكلى وتعبير وجه برعت الفنانة في تقديمه، حتى تصل الخشبة، وتبدأ الحديث عن الحياة في ظل هذا الموت والقصف وتسترجع ذكرياتها مع الزوج العائد من الأسر يحمل جسدا منهكا من التعذيب بالمعتقلات.
وزعت "الأكفان" رمياً على الجماهير وهي تعدو نحو خشبة المسرح بقوة محاربة تعرف مصيرها وتتحداه بوابل القوة والصبر.
يعود الزوج الذي قدم دوره (زيد خليل مصطفى) بعد غياب دام 20 عاما، ليعلن أنه ما يزال حيا على هذه الأرض التي أخذت الكثير، فتستقبله زوجته التي أدت دورها (نهى سمارة) بالصدمة بداية، سرعان ما تتحول تلك الصدمة إلى استعادة لذكريات الماضي واستعراض ما حدث طوال عشرين عاما من الحروب المتتالية.
"كان يلزمنا قلوب أكبر كي تتسع لكل هذا الأسى.. ستون عاما من المعاناة لم تجعل أحلامنا تصغر في يوم من الأيام رغم أنهم يستكثرون الأحلام علينا"، يقول الزوج لزوجته التي ما عادت تصدق تلك الأقاويل، مبينة أن الحلم يبدأ صغيرا ويظل صغيرا في هذا الوطن.
يصر الزوج على سؤال زوجته عن أحوال الأبناء بعد استرجاع شريط علاقتهما وزواجهما في "فلسطين" وتحديدا غزة وسط الحواجز والقصف.
الحال لم يتغير كثيرا، وتروي "آمنة" لزوجها حكاية الشعب الفلسطيني في غزة منذ 20 عاما، وهو يقدم التضحيات والمزيد من الشهداء في رواية بدت متوقعة للجميع وقعت بالسردية أحيانا رغم الأداء المذهل للثنائي زيد ونهى.
إن الحكاية الفلسطينية للأعراس دائما تحمل في فلسطين آلاما وجراحا ومعاناة، فهناك شاب يموت قبل عرسه بأيام، وأخرى تجلس في بيتها تموت تحت القصف تاركة خطيبها وزوج المستقبل.
وعرّج العمل إلى أسماء العائلات التي أبيدت وعدد كبير منها خلال الحرب الغاشمة والأخيرة على غزة والتي استشهد فيها حوالي 2000 شهيد وخلفت آلاف الإصابات.
وهي نقطة مهمة تجعلنا نقول لأبناء فلسطين وأهل غزة، نحن لن ننسى ولا ننسى، وإن ابتعدنا وإن اقتربنا فجميعنا لأجل هذا الوطن وأهله وسنظل نقدم فنا وحبا وروحا إن استطعنا لأجل "الأرض" التي لا تتسع إلا لنا أصحاب الأرض.
وتذهب المسرحية للحديث عن تلك الأعراس غير الآمنة التي تمر بها الأفراح في الوطن، والتي تقتل الفرح ولا تقتل في داخل الفلسطيني الاستسلام.
بعض القصص التي عرّج عليها المخرج خلال العمل كانت معروفة ولم تخلق دهشة المسرح، فقصة الشهيد الحيّ معروفة، وقصة الزعتر والزيت وعودة الأسرى هي جميعها حكايات معروفة كان حتميا وجود قالب يدهش ويعرّي هذه القصص أكثر بعيدا عن السردية والحوار.
ومع ذلك فإن أهم ما يمكن قوله إن تلك الحكايات وكما جاء على لسان الممثلة "القصص التي لا تسجل تصبح ملكا لأعدائنا". وهي علامة فارقة في أهمية التدوين والإخلاص لقصص هؤلاء الشهداء المتلاحمين مع تراب أوطانهم.
السينوغرافيا على الخشبة كانت موظفة بشكل مناسب لخدمة الممثلة التي ساعدها الإضاءة المشغولة بحرفية، واستخدام الخطوط المتوازية تعبيرا عن الانقسام الفلسطيني من جانب وجانب آخر الاحتلال.
في حين أنها كانت تراجيدية الموت حاضرة باستمرار وكان من الممكن استشهاد الأمل عن طريق الحب والفرح، بعيدا عن الموت الذي أصر المخرج على اعتباره عشق الفلسطيني لوطنه.
وعلى الرغم من أن الأداء كان غزيرا ومحملا بالمأساة إن صح التعبير، حتى الأغنيات التي قام بأدائها زيد خليل مصطفى وإحداها من زفة الأعراس المتعارف عليها في فلسطين كانت مؤلمة.
جميع تلك الأغنيات والقصص كانت مؤلمة سوداوية وإن حملت جانبا كوميدياً ساخراً خرج الحضور بآراء مختلفة أغلبها كانت ايجابية بالندوة التقييمية التي أعقبت العرض.
ومع ذلك فيحسب للمخرج الدكتور بشتاوي أنه كان قادرا طوال العرض وبالاشتغال على القدرات الهائلة لنهى سمارة وزيد مصطفى وتوظيفها لغايات شد الجمهور حتى نهاية العرض، وعلى الرغم من أنها مؤثرة واستهلكت لغة العاطفة الشعرية والخطاب المسرحي اعتماداً على الممثل.
إلا أن المشهد الأخير في جلوس الزوجة حول تراب الأرض لتهدهده وتنفضه بيديها، فيما يرتدي الزوج بدلته العسكرية ويذهب ليقدم مزيدا من الأعوام والشهادة لهذا الوطن كان مميزا لفكرة مسرحية "أعراس آمنة".
العمل المسرحي عن رواية للكاتب الفلسطيني والأديب إبراهيم نصر الله، تمثيل نهى سمارة وزيد خليل مصطفى، تصميم وتنفيذ إضاءة لمحمد المراشدة، تأليف وتوزيع موسيقي مراد دمرجيان.

sawsan.moukhall@alghd.jo

التعليق