د. جاسم الشمري

أحلام في مهب الريح!

تم نشره في الثلاثاء 23 شباط / فبراير 2016. 01:02 صباحاً

أحلام الإنسان التي اتفق العلماء أنها تأتي بشكل عام أثناء النوم، وعرفها بعضهم بأنها سلسلة من التخيلات التي تحصل لدى الشخص أثناء النوم، أو أنها نشاط تفكيري قد يحدث نتيجة استجابة لمنبهٍ ما أو دافعٍ معيَّن؛ هذه الأحلام لا شك أنها جزء من محاولة العقل الباطن زرع روح الأمل لدى الإنسان الذي يواجه تحديات متنوعة في الحياة.
وأصعب أنواع الأحلام هو الحلم بعودة أيام الماضي القريب، لأن الإنسان قد تعاطى معها وتفاعل مع حيثياتها كحقيقة ملموسة، ثم في لحظة من الزمن صارت في مهب الريح. وهذا ما وقع على العراقيين؛ إذ انقلبت حياتهم رأساً على عقب، وصارت حقائق الأمس القريب أحلام اليوم.
صار الإنسان العراقي يحلم ببدهيات الحياة، وصار يتمنى أحلاماً بسيطة؛ يتمنى مكاناً آمناً يعيش فيه يحفظ فيه حياته وشرفه وكرامته. ورغم بساطة هذه الحقوق أو الأحلام، إلا أنها صارت بعيدة المنال عن العراقيين.
العراقيون صاروا يهربون بالملايين من واقعهم المأساوي إلى بلدان الدنيا القريبة والبعيدة. لكن يبدو أنه حتى منافي الأرض صارت لا تستوعبهم أو لا يستوعبونها، وكأنهم أصبحوا لا يعرفون العيش إلا على أرض الرافدين، رغم أنها أضحت عنواناً للهدم والنهب والقتل.
العراقيون اليوم يعودون لبلادهم من المنافي المختلفة، ليس لأن العراق بات آمناً، بل لأنهم وجدوا في بعض البلدان التي هاجروا إليها أسوأ أنواع المعاملة. وعليه، فقد فضلوا الموت في أرضهم بكرامة، على الحياة بذل وخنوع خارج وطنهم!
يوم الخميس الماضي، أعلنت وزارة الخارجية العراقية عن وصول مائة لاجئ عراقي إلى مطار بغداد الدولي، قادمين من فنلندا. وهؤلاء يمثلون الوجبة الأولى من اللاجئين الذين أبدوا رغبتهم الطوعية في العودة إلى العراق. وبداية الشهر الحالي، قال مكتب الهجرة البلجيكي أن "111 لاجئاً عراقياً عادوا إلى بغداد بعد أن شعروا بخيبة أمل وإحباط بسبب بطء إجراءات الحصول على اللجوء، ورحيلهم جاء بناء على طلبهم ورغبتهم". وسبق للمتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، ستار نوروز، أن أعلن نهاية العام الماضي أن "1387 لاجئاً عادوا إلى البلاد على دفعتين نتيجة لعدم حصولهم على الإقامة وتعرضهم للمخاطر وسوء أوضاعهم"، وأن "المحاولات لإعادة اللاجئين غير الشرعيين -والذين يعانون أوضاعاً صعبة نتيجة لعدم حصولهم على الإقامة وسوء أوضاعهم المعاشية وعدم حصولهم على الخدمات المناسبة- مستمرة". وأكد نوروز "وجوب اتخاذ إجراءات تحد من هجرة الشباب، لاسيما وأن طرق الهجرة غير آمنة".
حالة الضياع والهجرات الجماعية العبثية المستمرة لم تأت من فراغ، وإنما هي نتاج طبيعي لغياب السلطة والعدالة الاجتماعية. وبهذه المناسبة نذكّر باحتفال العالم في العشرين من الشهر الحالي باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي أقرته الأمم المتحدة، والتي تنظر للعدالة الاجتماعية على أنها "مبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي داخل الأمم"، وأن "العمل على تعزيز حقوق الشعوب الأصلية والمهاجرين يكون إعلاءً منا لمبادئ العدالة الاجتماعية. وعندما نزيل الحواجز التي تواجهها الشعوب بسبب نوع الجنس أو السن أو العرق أو الانتماء الاثني، أو الدين أو الثقافة أو العجز، نكون قد قطعنا شوطاً بعيداً في النهوض بالعدالة الاجتماعية".
غياب العدالة الاجتماعية واستمرار تطبيق سياسات تكرس الفقر والتهميش والإقصاء وعدم المساواة، يُعد من أكبر الآفات التي تنخر جسد الأمة العراقية. وهذا ما أدى إلى استمرار الهجرة الجماعية غير المدروسة، وضعف روح المواطنة!
استمرار حالة التنفير والتهجير لشباب العراق من بلدهم، يعد واحدة من أكبر المؤامرات والجرائم التي ترتكب بحق الوطن المليء بوقائع سياسية وعسكرية متنوعة، تنبئ بغد مخيف لا نعرف كيف ستكون نهايته!
إن تحقيق العدالة الاجتماعية ووضع معايير وأهداف ومؤشرات لقياس مدى الوفاء بها، أمر ممكن جداً إذا وجدت الإرادة السياسية الحقيقية النقية. لكن السؤال هنا: هل هذه الإرادة موجودة في المشهد السياسي العراقي الآن؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأحلام تبددت! !!!!!! (ابتسام الغالية)

    الأربعاء 24 شباط / فبراير 2016.
    كل إنسان طبيعي يحلم والاحلام على نوعين حلم يأتي أثناء النوم ويكون أما حسن وأما سيء وحلم يكون أثناء اليقظة وهو الحلم الذي دائما نصوره لأنفسنا يكون ورديا.
    في العراق حتى الأحلام ظلت طريقها إلينا ماعدنا نحلم بغد مشرق أو مستقبل زاهر أو قدوم الربيع بعد خريف مقحل .
    مانعيشه اليوم واقع فقط لامجال لنا حتى للاحلام صارت أحلامنا أثناء النوم كوابيس وأحلام اليقضه لاوجود لها وإنما كل مانتمنى أن يمر يومنا بسلام.
    يعني النافذه الوحيده التي نلجاء إليها للهروب من واقعنا المرير تبددت وذهبت مع الريح كما جاء بالمقال.
    سيبقى العراقيون ينتظرون الفرج واقعا وليس حلما.
    مقال ذو شجون سلمت يمين الكاتب
  • »احلام في مهب الريح (سوسن فيصل)

    الثلاثاء 23 شباط / فبراير 2016.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    استاذي الكريم.... اعتقد. ان هذه الإرادة موجودة فيكم انتم ايها المثقفون الوطنيون باقلامكم
    انتم وحدكم قادرون على ثقافة التغيير نحو العمل الإيجابي...
    الشعوب بحاجة اليكم هذه الأيام بحاجة الى افكارهم النيرة بحاجة الى الكلمة الصادقة والجريمة
    انتم القدوة الحسنة باخلاقهم النبيلة ومبادئكم السامية ان تخرجو وتمارسو دوركم الطبيعي في بناء المجتمع....
    انتم خير من يقود المسيرة في اعمار البشر والحجر....
  • »الى أين المفر (سمية / تونس)

    الثلاثاء 23 شباط / فبراير 2016.
    ام ادم: ليته الواقع كما الاحلام يكفي أن نشتهي شيئ ..لنعيش بالحلم ..
    لقد بات واقع العراق محزن ورماد در بالقضاء
    ولا أعتقد عودة المهجرين ستبسطهم ..حتما سيذكر بالهجرة من جديد. .عندما يعيشون الواقع المؤلم
    سيرون انهم أقل شي ضحوا براحتهم النفسيه ..مقابل ما يرونه من تفجيرات ومخططات وإحباطات وهدا شأن أغلب الدول العربيه فأما يموت شبابها بين الملل والمعاناة أو علي بواخر الموت #الحراقه# او ذليلين يصنعون من ليللهم ساعات قهر
    لا الوطن يحضن. .ولا الهجرة تبهر ..ويظل العربي بين الطرق والسنديان. .فلا الحكومات توفر كرم العيش. .ولا بلاد الغربة تحفظ الكرامات
    فإلي أين المفر
  • »"لايأس مع الحياة ولاحياة مع اليأس" (يوسف صافي)

    الثلاثاء 23 شباط / فبراير 2016.
    الأمل كبير د. قاسم بعظمة الشعب العراقي والمشاهد متغيرّة لاثابت لها وهكذا دواليك؟ الإرادة النقية الصافية في قلوب غيارى العراق ؟؟ الذي شهد لهم التاريخ ؟؟ ولكل فارس غفوة ولابد من الصحوة؟؟