نادر رنتيسي

"صرتُ وحداتياً"

تم نشره في الجمعة 26 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

"مين بتشجِّع". سألني فتى شديد الاسمرار، نكد الوجه، يكبرني بعامين دراسيين، وفي الأصل كنتُ متأخِّراً عن باقي الزملاء عامين، عام المرض وعام الحرب. ربّما كان أكبر منّي بأربعة أعوام. استطعتُ رغم انخفاض نظري عن وجهه الصلب، وهو يمد شفتيه الغليظتين قرب أذني غير الفاعلة، أن أرى منبت لحية من المبكّر أنْ تظهر لطالب راسبٍ في الخامس الابتدائي، فكانت سبباً آخرَ لأنْ أهابه، وأنتظر على جَمْر أنْ يقولَ كلّ ما لديه، ثمّ أتنفّس قلقي كله.
كان ذلك في يوم مشمس من تشرين ثانٍ، وكانت هناك مباراة حامية ستجري بدوري كرة القدم بين "الوحدات" و"الفيصلي"، والطلابُ الصغار ينتهزون المساحة القصيرة من خمس دقائق بين الحصص للمراهنة على النتيجة والتحدّي على تثبيتها. كرّرَ السؤال "مين بتشجّع"، فكرّرْتُ الإجابة: "الفيصلي"، فمنذ جاءت العائلة إلى الأردن صيف العام 1991، تقاسمت مع شقيقيْ أندية المقدمة حتى نخلقَ حالة من الحماس والتنافس أثناء المشاهدة التلفزيونية، فاخترتُ الفريقَ السماويّ، لسبب انتهازي وحيد، أنّه كان حامل اللقب!
زاد لون وجهه إسمراراً ونكداً، طرقَ على المقعد بقبضة يده القاسية ثلاث طرقات، بالتزامن مع قوله لي إنّه منذ هذه المباراة عليّ أن أشجِّع "الوحدات"، ثمّ اقترَبَ حتى التصق فمه بأذني غير الفاعلة وأسرّ لي بالسبب. لم أسمع كلمة واحدة، لكنّي امتثلتُ فوراً لأمره، وأعلنتُ في "الفرصة" أني صرتُ وحداتياً، لكنّي تحاشيتُ أنْ أنخرط في السجالات الصاخبة، وجدتُ أنّي سأكون سيِّئ الوجه وبلا لون، وأنا أبدِّل انتمائي في لحظات من السماء الزرقاء إلى الأرض الخضراء.
عدتُ إلى البيت مخدوشاً في كرامتي، أخبرتُ أشقائي أنني منذ اليوم سأشجِّع الفريق الأخضر، وأنهيتُ الكلام. جرت المباراة بعصبيّة معروفة، وفاز الوحدات بثلاثة أهداف لهدف، وأصبح حامل اللقب بعد أيّام قليلة. عدتُ لعادة قراءة الصحف من الصفحات الأخيرة، وصرتُ أنتظر موعد المباراة بقلق المدرِّب العام، وحفظتُ أسماء اللاعبين الثلاثية وأرقام قمصانهم، واشتريتُ صوراً لاصقة لألمعهم وعلقتها على خشب السرير. صرتُ وحداتياً، وبأثر رجعيٍّ فهمتُ ما قاله في أذني غير الفاعلة فتى شديد الاسمرار!
استعدتُ في وديان جبل الأمير حسن حاسّة التهديف، فسجّلتُ أهدافاً كثيرة بين الحجارة التي ارتفعت نصف متر عن الأرض بوصفها قوائم للمرمى، وفي المدرسة كنتُ أسدِّدُ الكرة بلؤم نحو باطن العارضة ليأتي هدفاً على غرار ما تحفل به فقرة "الدوري الإيطالي" في "المجلة الرياضية". كنتُ أحلم أنّي سأذهبُ إلى "المخيّم"، وأطلب استمارة طلب التحاق بفئة الأشبال، لكنّي في أحلام اليقظة كنتُ أحتكر تسجيل أهداف الفريق الأول في مرمى "الفيصلي"، بل إنّي في حلم طويل أجبَرْتُ "ميلاد عباسي" على الاعتزال المتأخّر!
في منتصف التسعينيات، فقدتُ أيَّ أمل بأنْ ألعَبَ مع الفريق الأخضر، كنتُ متأكداً أنّ أبي سيرفض مناقشة الأمر، فهو دائماً يذكِّرنا أنّ اللاعبين يتعرّضون للشتائم البذيئة، ويواصلون اللعب بلا غيرَة، ثمّ أنه كأبٍ شيوعي فقير، كان طموحه أنْ نكبر ونتوزّع على وظائف فرع أيّ بنك في الزرقاء. تخلّيْتُ عن أحلام اليقظة تماماً، عندما صعَدَ في منتصف التسعينيات لاعب مهاري كان يشتمه الجمهور في البداية لأنانيّته. تشابَهْتُ معه في اسم الأب، وضمور الشفة العليا، والدم الحار في الانتماء.. ومن ثمّ لا بأس من اللعب من أجل الفن!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وحداتي (مراد)

    الجمعة 26 شباط / فبراير 2016.
    الله يسعدك ويسعد الوحدات وأخضر قلبي على طول
  • »كيف يكون العشق للنادي و الشعار (حسن معن حسن نواف السريحين)

    الجمعة 26 شباط / فبراير 2016.
    فقط لاجل فتى ما بالك لو كان فريق المدينه التي نفديها بدمائنا ما بالك لو كان الاطفال يوفرون مصروف المدرسه لحضور المباراه في الملعب قبل الكبار ما بالك بنادي بناه الاباء و الاجداد ولاعبوه من مدينه واحده و تجمعهم مع بعضهم و الجمهور صله النسب و المصاهره و القرابه والدم الرمثاوي الاصيل نعم هذا هو نادي الرمثا الرياضي اول من رفع اسم الاردن خارجيا و مثلها خير تمثيل في اول مشاركه لنادي اردني في بطوله خارجيه و علم العالم واسيا بشكل خاص كيف تكون الحميه علي النادي و القميص الازرق كيف يقاتل لارضاء فلذات قلبه و تفكيره الذائم جمهور الرمثا اللذي لم يتوانا في اي لحضه من مسانده معشوقه الاول سواء بلتشجيع وقطع المسافات او بلدعم المالي و المعنوي فهم فاكهة الكره الاردنيه هذا هو الحب هذا هو العشق والهوى هذا هو الانتماء للشعار فهواه يسري في عروقنا ما حيينا