سلوك الحكومات التأميني

تم نشره في الأحد 6 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

محمد عاكف الزعبي*

يرتبط مصطلح الخطر المعنوي (Moral Hazard) بقطاع التأمين، ويعني قيام حامل بوليصة التأمين بأخذ مخاطر، يسهل تجنبها، لأن شركة التأمين هي من سيتحمل أي تكاليف قد تنشأ عن هذه المخاطر.
فإذا قام البعض بتأمين سيارته ضد الحوادث، فمن الطبيعي أن يصبح أقل حرصا على سيارته وأقل التزاما بالقواعد المرورية من سائق يقود مركبة غير مؤمنة؛ لأن المسؤول عن إصلاح الأضرار التي ستلحق بالمركبة في حال وقوع أي حادث هي شركة التأمين وليس السائق الأقل حذرا.
يمكن إسقاط هذه العلاقة الملتبسة بين حامل بوليصة التأمين وشركة التأمين على العلاقة التي تربط بين الحكومات قصيرة الأجل المتعاقبة في الأردن وتفسر ميل كل حكومة نحو ترحيل المشكلات الى الحكومة التي تليها من جهة أو التعامل معها بقدر أقل من المسؤولية من جهة أخرى.
وأدى قصر عمر الحكومات الى جعلها أقل حرصا على قيادة دفة الاقتصاد والمالية العامة؛ إذ توسعت في الإنفاق وأسهبت في التوظيف واستمرت في سياسات الدعم وأهملت ملفات حساسة مثل الاستثمار وتوزيع عوائده ورعاية القطاعات الاقتصادية الواعدة، غير آبهة كثيرا بعواقب سياساتها لعلمها بأن فترة مكوثها في الدوار الرابع لن تطول وأن حكومات بعدها هي من سيتحمل تبعات تعاملها مع الشأنين المالي والاقتصادي، وهو ما يماثل تماما سلوك حامل بوليصة التأمين الذي أصبح أقل حرصا على التعامل مع احتمالات المخاطر لأن غيره هو من سيتحمل تبعات سلوكه.
والنتيجة هي دائما ارتفاع الإنفاق الجاري واتساع عجز الموازنة وتفاقم المديونية وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، لتجد حكومة الأزمة (اللاحقة) نفسها مضطرة لأن تسلم قيادة الاقتصاد الوطني لصندوق النقد الدولي الذي يضع عليها شروطا وسياسات انكماشية قاسية ترهق المواطن وتكبل الحكومة التي تدفع ثمن أخطاء وإخفاقات سابقاتها رصيدا باهظا من مخزونها الشعبي.
تكريس نموذج الحكومات المعمرة سيجعل الحكومات أكثر حرصا على إدارة الاقتصاد والمال العام وأكثر اهتماما بانعكاسات سياساتها عليهما، وسيضع حدا للسياسات الشعبوية التي لا تحسب حسابا للمستقبل وتقدم للمواطن مكاسب زائفة سرعان ما تتحول الى حمل يثقل كاهله.
*محلل مالي

التعليق