نادر رنتيسي

.. كأنْ أملأ الجدول بالماء!

تم نشره في الأربعاء 9 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

1
الساعة التي في معصمي مضبوطة على إيقاع الصّدى في لندن، فلا دقيقة زائدة، ولا أخرى ناقصة وهذا ما أرعبني، وساعة الهاتف الفائق الذكاء، متأخّرة ثلاث دقائق بعَيْب مصنعيٍّ لم أرد له حلاً. أما ساعة السيّارة فمتقدّمة إحدى عشرة دقيقة، بخلل حاولتُ إصلاحه كثيراً، لكنّ الجهل التقنيِّ دفعني لأنْ أتغاضى، حتى اكتشفتُ فائدة جعلتني مَديناً له. عندما كنتُ أذهب متأخّراً إلى العمل على رأس الساعة، أو إلى موعد غرامي أول يقتضي أنْ أكون أوروبياً، كان الوقت أمامي في السيارة زائداً إحدى عشر دقيقة، فأشعر بقلق، وأكادُ أغضب، حتى أتذكّر أمر الخلل، وأنّ لديّ إحدى عشر دقيقة محفوظة لم أستهلكها بعد. لو أنّ خطأ مماثلاً جرى في شهادة الميلاد! 
2
لما كنتُ قبلٍ زمن طويلٍ مراهقاً، أي قبل عشر قصص فاشلة في الحبِّ. استمعتُ لأول مرة لأغنية “انتَ عمري”. كنتُ أظنُّني عاشقاً، وأنّ فتاة توزّع ابتسامات الغواية في الحيِّ، هي قصة حبُّ متكاملة الأطراف. وبقليل من الحرص الذي اكتسبته عن أمّي، تراجعتُ عن سماع الأغنية، ففي رصيدي نصف قرن على الأقل، من الطيش أن أبذّره، وأهبه لفتاة الحيِّ وأحياء أخرى. ثمّ عدتُ قبل خمسة عشر سنوات لسماع الأغنية بلحنِها “الوهّاب”، وأبدَيْتُ لامرأة جديدة ندماً على العمر الذي راح قبلها، وتهيّأتُ لعقد مصالحة مع الأيّام، وبادرتُ صادقاً لمسامحة الزمن. واليومَ، لا عُمْرَ كافياً لأعطيه لامرأة في الأغنية، صرتُ كهلاً، ومرّ زمن طويلٍ، منذ إحدى عشر قصة فاشلة في الحبِّ! 
3
السيّدة التي في الثمانين من عمرها، أصرّت أنْ أرسِلَ لها نسخة من كتابي “أنتَ تحذف نصف عمرك”. وفي الكتاب، قلتُ إنّ الشرقَ لا يمنح الشرقيَّ أكثر من ستين عاماً للحلم، وطوال ثلاثين عاماً، كنتُ أحلمُ بأنْ أبلغَ الستينَ، ثمّ أرمي عن كتفيّ الأحلام غير الواقعيّة التي لم يرد لها حسابٌ في شروط “الضمان الاجتماعيّ” للتقاعد. عشرون عاماً فوق ما منَحَها الشرقُ، والسيّدة تصرُّ أنْ تقرأ كتاباً، وتردِّد بصوت مُجهدٍ أغنية لـ “صباح فخري”، طالبةً “خمرة الحبِّ”، وتقرأ بنظّارة سميكةٍ تنبؤات العلم لشكل الحياة بعد جيلين خلويين. أرسلتُ لها نسخة من الكتاب، وكتبتُ في الإهداء أعِدُها بالتمرُّد على معدّل أعمار الشرق... كأنْ أملأ الجدول بالماء!
4
الرجل الذي في الخمسين، جلستُ معه لنصف ساعة على شرفة مقهى، فأصبتُ مبكّراً بأزمة منتصف العمر. كان قادماً من عزاء صديقه الذي توفي بـ “جرعة زائدة في حبِّ الحياة”، هكذا قال، ولم يشرح لي قصده، لكنّني أومأتُ بالفهم. أخبرني أنّ الحياة قصيرة، مثل الطريق المختصرة، وعدّد لي أسباب الموت المستَجِدّة بعد الجيل الخلويِّ الثالث، وقال لي إنّه يشعر بما يشعر به اللاعب الخاسرُ في “الوقت الضائع”، يركضُ لإحراز هدف تعديل الكفة، واقتربَ منّي أكثر ليبوح لي بأنه قد “تاب” عن ماضيه اليساريِّ، ونصحني أنْ أبدأ بمراجعة شاملة قبل الدخول إلى الأربعين، وقرأ من هاتفه مضمون دراسة طبيّة تقول إنّ العقد الخامس هو موسم الموت المفاجئ. وطلبتُ الحسابَ.. أقصدُ حساب المشروبات!      

التعليق