موفق ملكاوي

جريمة في جرش!

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2016. 12:04 صباحاً

الموضوع ليس عنوانا لإحدى روايات أجاثا كريستي البوليسية، بل هو ما حدث فعلا في جرش، التي قرر رئيس بلديتها قبل فترة وجيزة، إزالة منحوتة من على مدخل المدينة، هي العمل الإنشائي المهم الذي صممه وأقامه الفنان الزميل غسان مفاضلة.
الأسباب التي ساقها رئيس البلدية لتبرير "المجزرة" التي ارتكبها، واهية؛ فكان ينبغي أن لا يتم التذرع بها، أو الاستماع إليها، وذلك حين شبّه أعمدة ثلاثة تتوسط المنحوتة بـ"الشمعدان" الذي يتّخذ منه الإسرائيليون رمزاً تاريخيا ودينيا وقوميا.
تصوروا أن هذا الأمر يحدث في جرش، وهي المدينة التي منحت العالم أبعادا فنية وجمالية لم تكن معروفة سوى على نطاق ضيق في حواضر ذلك الزمن، وقد حدث هذا منذ القرن الرابع قبل الميلاد. واليوم، ونحن في القرن الحادي والعشرين، يتم "تأطير" الفن والجمال على هوى أشخاص يُملون على الفنانين ما ينبغي عليهم فعله، فيوجهونهم إلى تصميم منحوتات بأعمدة تحمل تيجاناً مشابهة لما هي الحال عليه في أعمدة جرش الأثرية!
الدونية التي يتم التعامل بها محليا مع الثقافة والفن باتت أمرا لافتا، ما يطرح تساؤلات مهمة حول مشروع الدولة الثقافي برمته، وهل تمتلك مسؤولية معينة تجاه الأعمال الفنية التي تنتشر في المدن والميادين المختلفة، خصوصا أن منحوتة جرش ليست أولى "المجازر" التي ترتكب بحق الفن والفنانين؛ إذ شهدنا الكثير من التعديات على الإبداع، بدواعي وتبريرات مختلفة، لا تختلف في هزالها عن التبرير الأخير.
ثم هناك أمر آخر، يتوجب السؤال عنه، وهو دور وزارة الثقافة في حماية نتاج الفنانين الذي يفترض أن يكون إرثا محميّا، وأن يصل إلى الأجيال المقبلة، خصوصا أن المنحوتات التي نفذها الزميل مفاضلة، بما فيها منحوتة جرش الموؤودة، جاءت ضمن مبادرة بعنوان "الإنسان والمكان"، تقدم بها الزميل إلى وزارة الثقافة، وقد نفذ منها عدة منحوتات في الطفيلة وعجلون، إضافة إلى جرش.
يحق لنا أن نسأل عما فعلته وزارة الثقافة في سبيل الدفاع عن هذه المنحوتات وحمايتها من القرارات التعسفية التي تبيح الإطاحة بها لمجرد أهواء وقراءات خاطئة، واغتيالها في غياب أصحابها الأصليين ومبدعيها.
ثمة أمر آخر مستغرب أيضا؛ فإذا كانت وزارة الثقافة هي من تعاقدت مع الفنان ومنحته الإذن بالعمل وبناء تلك المنحوتة في ذلك المكان بالذات، ربما بالتنسيق مع البلدية، فكيف ينبري رئيس البلدية وينفرد باتخاذ قرار الإزالة وحيدا من دون العودة إلى وزارة الثقافة؟! أم هل عاد إليها واستمزجها في ذلك، وأن الوزارة هي من منحته الضوء الأخضر لتنفيذ "المجزرة"؟!
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال غير مهمة اليوم بالنظر إلى الجريمة التي تم ارتكابها. لكن المهم أن يعاد الاعتبار إلى الفن والفنان. لذلك، لا بأس من المطالبة بتعويض الزميل غسان مفاضلة عن الضرر الذي تعرض له من خلال المعاملة غير اللائقة لعمله الفني الذي كان ينبغي له أن يظل صامدا على مدخل مدينة تقدر الفن والجمال.
إنها ليست دعوة هزلية، بل هي حقيقية موجهة إلى وزارة الثقافة، التي ينبغي لها أن تؤسس ميثاقا أخلاقيا لتقدير الفنون واحترام الفنانين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاتهام حرام (مواطن)

    الأربعاء 16 آذار / مارس 2016.
    علينا ان ندرس الخلفية الثقافية والفرص التي اتيحت للمواطن عموماً ليتعرف على الفن قبل اتهامه بجريمة بالغة . نظرة سريعة للغزو العمراني الذي يزحف على الآثار يومياً في جرش وكافة المواقع الأثرية أخطر بكثير يا أخي من ازالة تمثال أو نسف قصر من العصور الغابرة بحثا عن كنز أو تخريب فسيسفاء تصور حقب تاريخية وأنجازات انسانية لا يمكن الاستغناء عنها. الجهل هو العدو وليس رئيس البلدية . الجهل في الهواء والنسيم والمناهج وطريقة قيادتنا سياراتنا وطريقة تعاملنا مع القوانين والأسلوب الذي نحتقر به المرأة وكل محاولات المساواة . الجهل يا أخي هو العدو الأول. تباً له.