ماجد توبة

مناكفة.. وزوبعة في فنجان!

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 11:04 مـساءً

ما الذي يمكن فهمه من رفع مذكرة نيابية الى رئاسة المجلس، موقعة من 34 نائبا، وتطلب تعديل قانون المحكمة الدستورية، بما يتضمن حرمان رئيسها وأعضائها من الرواتب، والاكتفاء بمنحهم مكافات مالية فقط عن الجلسات التي تعقدها المحكمة؟ وهل يمكن أن يندرج هذا الاقتراح النيابي ضمن الدور التشريعي المناط بمجلس النواب؟
المذكرة النيابية التي نتحدث عنها، ووقعت ونشرت بالإعلام مطلع الأسبوع الجاري، لا يتوقع لها أن تجد طريقا للتنفيذ أو الاستجابة، سواء من مجلس النواب ذاته أو من قبل الحكومة، التي تملك الصلاحية الدستورية بتقديم مشاريع القوانين للسلطة التشريعية، أي أنها ستبقى "زوبعة في فنجان". لكن القضية ليست في إمكانية التنفيذ والاستجابة لمثل هذه المطالبة أو التوصية النيابية، بل هي في الانطباع الذي تتركه الخطوة النيابية تجاه السلطة القضائية، بل وتجاه أعلى سلطة قضائية، عند النظر إلى الصورة بأبعادها المختلفة!
بداية، فإن من حق السلطة التشريعية وبموجب صلاحياتها الدستورية، التقدم بأي اقتراح تشريعي لوضع قانون جديد أو تعديل آخر قائم، وبما يطال التشريعات الخاصة بالسلطتين التنفيذية والقضائية. لكن هذا الحق الدستوري للسلطة التشريعية يجب أن ينطلق من تقدير المصلحة العامة أساسا، والحاجة الحقيقية للتشريع المطلوب. فهل ينطبق هذا المفهوم على المذكرة النيابية المذكورة، التي قصر النواب الموقعون عليها طلبهم بتعديل قانون المحكمة الدستورية بالمواد الخاصة فقط برواتب قضاة المحكمة، وتقاعدهم؟! وهل ثمة أزمة أو مشكلة في أن قضاة محكمة أردنية، ناهيك عن أنها أعلى محكمة وأكثرها حساسية، يتقاضون رواتب ولهم تقاعد!!
ما هو المطلوب من قبل السادة النواب الموقعين على المذكرة؟ إلغاء رواتب هؤلاء القضاة، ومنحهم مكافآت لن تكون بحال من الأحوال بقيمة الرواتب الشهرية، ناهيك عن أن ذلك (نظام المكافاة) سيحرمهم بلا شك من بعض الامتيازات الوظيفية كالتامين الصحي والتقاعد وغيرها؟! والسؤال هنا هل يدعم مثل هذا الاقتراح أو المطلب الغريب استقلال القضاء والمحكمة الدستورية؟!
قد يكون في التساؤل الأخير مربط الفرس، فقراءة خبر مذكرة النواب المذكورة تحيلك فورا إلى قضية الفتوى الدستورية التي صدرت عن المحكمة الدستورية الموقرة، بما يتعلق بتقاعد أعضاء مجلسي النواب والأعيان، والتي لم تأت على هوى النواب، وأبقت قضية قانون التقاعد المدني تراوح مكانها منذ أكثر من ست سنوات، وسط إصرار غالبية نيابية، في المجلس الحالي والسابق، على شمولهم بالتقاعد المدني ومساواتهم بتقاعد الوزراء.
لذلك، فسواء قصد النواب الموقعون على المذكرة ذلك أم لا، فإن الانطباع السريع الذي يتشكل لدى المتابع هو أن المذكرة النيابية جاءت كنوع من المناكفة لأكبر وأهم محكمة في الأردن، والتي تشكل بلا شك رمزا رئيسيا للإصلاح الدستوري، الذي تحقق بعد سنوات طويلة من المطالبة به.
لا يمكن لأحد، يؤمن بسيادة القانون ودولة المؤسسات والفصل بين السلطات، وتعزيز السلطة القضائية كعنوان رئيسي لضمان الحقوق وسيادة القانون، أن يطلب في ذات الوقت خفض أو الغاء رواتب القضاة، وفي كل المحاكم، فرأسمال القاضي والقضاء هو الاستقلالية، السياسية والإدارية والمالية، وضمان مستوى معيشي لائق للقاضي وامتيازات وظيفية تميزه –إيجابيا- عن باقي المهن والوظائف والمناصب. 
 ربما كان مفهوما أن يغضب نواب، قليلهم أو كثيرهم، من الحكومة ومن الإعلام ومن الرأي العام، بعد أن أظهر كل هؤلاء معارضة واسعة للتمييز غير الدستوري للنواب والأعيان في قصة التقاعد، لكن أن يصل الأمر لدى البعض لمحاولة مناكفة القضاء، وأعلى سلطة قضائية، ومحاولة التسلل إلى ذلك عبر الصلاحية الدستورية في التشريع للسادة النواب، فهو أمر كبير ويخرج عن المبدأ الدستوري الأساس، وهو الفصل بين السلطات!

التعليق