كيف يسرقون بلدهم بالقانون؟

تم نشره في الأحد 10 نيسان / أبريل 2016. 11:04 مـساءً

أقول بلدهم ولا أقول وطنهم لأنهم يهربون منه عند وقوع أزمة أو محنة فيه، ويتخذون من البلد الأجنبي الذي هربوا أموالهم إليه ملجأ "ومقاماً".
وأنا لا أتحدث هنا عن شركات الأوف شور أو تحويل الأموال بالطرق القانونية الى الخارج وإنما أتحدث عن تهريبها بصورة غير قانونية، وهي في الأصل أموال غير قانونية. وعليه فان ما كشفت عنه مجلة زود دويتشه الألمانية والصحفيون الاستقصائيون قد ينطبق على القانوني وعلى غير القانوني.
إن الذي يهمنا هنا هو تهريب الأموال غير القانوني ولكن الذي يبدو في الخارج قانونياً. ومن ذلك – مثلاً – تأسيس بعضهم شركات وهمية ولكنها في بلد التسجيل رسمية بأسماء وعناوين شديدة الأجنبية تشارك في العطاءات والمشاريع في بلد المؤسس. أي أنه عندما يطرح عطاء فيه تهرع هذه الشركات التي لا تدل على أصحابها إلى المشاركة في العطاء أو المشروع بعرض تستدرج مواده أو فنيته من شركات ذات علاقة.
وفي أثناء دراسة عروض الشركات المحلية والأجنبية المشاركة في العطاء يوحي المسؤول – مالك تلك الشركة السري أو المجهول- بإحالته على هذه الشركة أو تلك لأنها الأفضل، بادياً للجنة العطاءات انه مسؤول موضوعي شريف تهمه مصلحة البلد مع انه قد يكون طلب سراً من شركته رفع الأسعار المقدمة كثيراً لأن العطاء مضمون لها.
وعادة ما تكون شروط العطاء ميسرة ، فقد تفتح الجهات الرسمية أو المحلية الطارحة للعطاء الاعتماد البنكي للشركة الفائزة به، أو يفتحه وكيلها المحلي المعتمد. وبعدئذ تحصل الشركة الوهمية على الفرق المتضمـن في السعـر (Built In) الذي قدمته للعطاء والسعر الذي حصلت عليه من الشركة ذات العلاقة أي الشركة الصانعة أو التجارية أو الهندسية... وقد يكون الفرق كبيراً جداً إذا كان صاحب القرار ضامناً لإحالة العطاء على شركته الوهمية.
وفي حالات كثيرة وفي بلدان عربية معروفة لا يتم تسليم وتسلّم المواد ولا ينجز المشروع سوى على الورق ، فيحصل صاحب القرار على أموال طائلة خلسة من بلده توضع باسمه في بنك في الخارج. وبتراكم الأموال ل ... أو لفخامته، أو لدولته، أو لمعاليه، أو لعطوفته... فأنه يبزنسس بها في أمور شتى في العالم أو يستمتع بها على نحو مثير أو يهدرها على شهواته.
لقد كانوا يهربون أموالهم الخاصة في مصر في عهد عبد الناصر القوي وشديد الرقابة على تحويل الأموال أبان الضائقة المالية، إذ كانوا عندما يستدرجون عرضاً من الشركات الأجنبية للمشاركة في عطاء أو لمشتريات ما يطلبون منها رفع الأسعار أو العمولة المتضمنة فيها (Built In) لهم في حسابهم في أحد البنوك هناك اذا فازوا بالعطاء وفتحوا الاعتماد البنكي. أي أنهم كانوا يهربون أموالهم إلى الخارج بطريقة خبيثة لا يقوى الجن في تلك الأيام على كشفها.
يعاني من يقوم بتهريب الأموال من مشكلتين؛الأولى: مشكلة الشعور بعدم الأمن والاطمئنان الشخصي والأسري المعيشي في بلده. والثانية: مشكلة عدم الشعور بالأمان العام المستقبلي لبلده ، وانه لهذا يجب أن يضمن مستقبله ومستقبل أسرته عندما تدلهم الخطوب وتقع الأزمة أو المحنة.
بالمقارنة بين هؤلاء الناس واللصوص والفاسدين الصغار نجد أن اللصوص والفاسدين الصغار أشرف من هؤلاء اللصوص والفاسدين والكبار، لأن أولئك قد يسرقون أو يَفسَدون عن حاجة أو عن تطبع ولكنهم يبقون ما يحصلون عليه في بلدهم.
في الختام: الشكر يزجى إلى الجريدة الألمانية والصحفيين الاستقصائيين والمسرِّب وجريدة الغد الاستباقية، ومترجميها الماهرين الأستاذين علاء الدين أبو زينة، وعبد الرحمن الحسيني على ما يتحفاننا به من آن إلى آخر من روائع وفضائح.

التعليق