هل ستعني حدود جديدة صراعا أقل في الشرق الأوسط؟

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً
  • تصور للدول التي ربما تنشأ على خريطة الشرق الأوسط الجديد، برسم لوسي غوتيريز - (المصدر)
  • جمال فريد باشا، رئيس الوفد التركي، لدى وصوله فرنسا في العام 1920 لتوقيع معاهدة سيفر - (المصدر)

ياروسلاف تروفيموف* - (وول ستريت جورنال) 10/4/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تعيش منطقة الشرق الأوسط مع تركة قابلة للاشتعال من الدول المنحوتة بشكل مصطنع من بقايا الإمبراطورية العثمانية.
*   *   *
بعد وقت قصير من انتهاء الحرب العالمية الأولى، أخذ وزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني إجازة من العمل العمل الشاق المتعلق بإعادة رسم خريطة أوروبا، من أجل مناقشة الأمر الأكثر سهولة، والمتعلق بتحديد أين ستمر الحدود في منطقة الشرق الأوسط التي تم احتلالها حديثاً.
وقبل سنتين من ذلك، في العام 1916، كان الحليفان قد اتفقا على مناطق النفوذ المخصصة لكل منهما في اتفاق سري -معروف باسم اتفاقية سايكس-بيكو- للتقسيم والتقاسم. لكن الإمبراطورية العثمانية أصبحت الآن مهزومة ومحيَّدة، وشعرت المملكة المتحدة بعد أن قامت بمعظم القتال ضد الأتراك أنها كسبت الحق في نيل مكافأة أكثر دسماً.
"قل لي ماذا تريد"، قال الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد بينما يدخلان السفارة الفرنسية في لندن.
"أريد الموصل"، قال رئيس الوزراء البريطاني.
"هي لك". أي شيء آخر"؟ سأل كليمنصو.
وفي ثوانٍ قليلة، كان ذلك. انتهى المطاف بالموصل، أكبر محافظة في الإمبراطورية العثمانية، وموطن سكان من العرب والأكراد السنة، والغنية بالنفظ، لتكون جزءاً من دولة العراق المنشأة حديثاً، وليس جزءاً من دولة سورية المنشأة حديثاً أيضاً.
قبل انهيار دولتهم، كان العثمانيون يديرون إمبراطورية متعددة الأديان واللغات، والتي حكمها سلطان يحمل أيضاً لقب الخليفة -قائد المسلمين في كل أنحاء العالم. ومع ذلك، وإثر انضمامهم إلى الجانب الخطأ من الحرب العظمى، شهد العثمانيون إمبراطوريتهم وهي تُقسَّم على يد رجال الدولة الأوروبيين الذين يعرفون القليل عن شعوب المنطقة وجغرافيتها وعاداتها.
كانت الدول الشرق أوسطية الناتجة عن ذلك التقسيم في أغلبها مخلوقات اصطناعية مُفتعلة، أحياناً بحدود مرسومة بخطوط مستقيمة بطريقة غير معقولة. ومنذ ذلك الحين، استمرت تلك الدول بشكل عام في المضي ضمن حدودها الموضوعة من الحقبة الاستعمارية، على الرغم من المحاولات المتكررة لتوحيدها في إطار القومية العربية.
ومع ذلك، أفضى اختلال التوازنات الموجودة في داخل بعض هذه الدول المختلقة حديثاً -وخاصة سورية والعراق- إلى تفريخ دكتاتوريات وحشية، والتي نجحت على مدى عقود في قمع الأغلبيات القلقة وفي إدامة حكم الأقليات.
لكن ذلك كله ربما بات يقترب الآن من نهايته. فقد كفت كل من سورية والعراق عملياً عن العمل كدول. وتقع أجزاء كبيرة من كلا البلدين خارج سيطرة الحكومة المركزية، وأصبح معنى الدولة العراقية والسورية نفسه مفرغاً من المعنى بسبب هيمنة الهويات الطائفية والعرقية.
وكان صعود مجموعة "الدولة الإسلامية" نتيجة مباشرة لهذا الانهيار. وأعلن زعيم المجموعة السنية المتطرفة، أبو بكر البغدادي، نفسه على أنه الخليفة الجديد، وتعهد بغسل عار "مؤامرة سايكس بيكو". وبعد أن اندفع رجاله من معقلهم في سورية في الصيف الماضي واستولوا على الموصل، التي تشكل في هذه الأوقات أكبر مدينة في العراق، وعد البغدادي بتدمير الحدود القديمة. وفي ذلك الهجوم، كان من أول أعمال "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، كما تُعرف مجموعته، نسف الحواجز الجمركية والنقاط الحدودية بين سورية والعراق.
يقول فرانسيس رتشاردوني، السفير الأميركي السابق إلى تركيا ومصر، والذي يعمل الآن في مؤسسة "مجلس الأطلسي" الفكرية في واشنطن: "إن ما نشهده الآن هو زوال النظام ما بعد العثماني، وزوال الدول المشروعة. وتشكل الدولة الإسلامية قطعة من ذلك، وتملأ فراغاً خلفه انهيار ذلك النظام".
في خضم الفوضى التي تلف الشرق الأوسط الآن، يبدو أن الدول التي خلقها المستعمرون الأوروبيون قبل قرن من الآن هي التي تنهار أكثر ما يكون. أما في دول المنطقة الأخرى الأكثر "طبيعية"، فإن إحساساً أقوى بكثير من التاريخ والتقاليد المشتركة منع -حتى الآن- حدوث انفجار مماثل.
يقول حسين حقاني، الكاتب والسفير الباكستاني السابق إلى الولايات المتحدة: "يجيء الكثير من الصراع الجاري في الشرق الأوسط نتيجة لانعدام الأمن في الدول المفتعلة. وتحتاج الدول المفتعلة إلى إيديولوجيات الدولة للتعويض عن الافتقار إلى التاريخ، وهي عادة ما تفرد عضلاتها ضد شعوبها الخاصة أو ضد الجيران من أجل تعزيز هوياتها".
في مصر، بتاريخها الألفي وشعورها القوي بالهوية، لم يستنطق أحد تقريباً "مصرية" الدولة الأساسي خلال كامل فترة الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بالرئيس حسني مبارك في ثورة العام 2011. ونتيجة لذلك، خرجت معظم المؤسسات المصرية من الاضطرابات سليمة نسبياً، وتوقف العنف على مسافة بعيدة قبل التحول إلى حرب أهلية مباشرة.
كما أن تركيا وإيران -اللتين كانتا في الأزمان الغابرة مراكز لإمبراطوريات هائلة- خرجتا سليمتين إلى حد كبير أيضاً من أحداث السنوات الأخيرة، ولو أن لدى كل منهما أقليات عرقية كبيرة خاصة بهما، بما فيها العرب والأكراد.
مع ذلك، لم تكن دول الشرق الأوسط "المفتعلة" منذورة للفشل بالضرورة، والبعض منها -والأردن حالة ملحوظة- ليست بصدد الانهيار -ليس بعد على الأقل. كما أن العالم يمتلئ بعد كل شيء بالدول متعددة الأعراق والأجناس، والتي تحقق النجاح والازدهار، من سويسرا إلى سنغافورة، إلى الولايات المتحدة التي تظل حديثة العهد نسبياً كأمة، مقارنة بإيران على سبيل المثال.
"في كل هذه الأماكن، ثمة عقد اجتماعي -قائم عادة على الحكم الرشيد والفرصة الاقتصادية- والذي غالباً ما يجعل التنوع العرقي والديني مصدراً للقوة بدلاً من كونه محركاً لعدم الاستقرار. وعلى العكس من ذلك، وحيث خرجت العجلات عن السكة في الشرق الأوسط، لم يكن هناك حكم رشيد -بل إن هناك في الحقيقة حكم مقيت"، كما يقول السيد رتشاردوني.
قبل قرن من الزمان. أمل كثيرون في أن تسير سورية والعراق في الطريق نفسه الذي تسلكه سويسرا أيضاً. وفي ذلك الوقت، أرسل الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بعثة إلى الشرق الأوسط لاستكشاف أي دول الشرق الأوسط الجديدة يمكن أن تنهض من ركام الإمبراطورية العثمانية.
تحت الحكم العثماني، لم تكن سورية ولا العراق موجودتين ككيانات منفصلة. وثمة ثلاث محافظات عثمانية -بغداد، والبصرة الموصل- هي التي كانت تتوافق بالكاد مع تكوين عراق اليوم. وثمة أربع أخرى -دمشق، وبيروت، وحلب ودير الزور- والتي كانت تضم سورية اليوم والكثير من أجزاء الأردن وفلسطين، بالإضافة إلى قطاع كبير من جنوب تركيا. وكلها كان يقطنها خليط من الطوائف: العرب السنة والشيعة، والأكراد، والتركمان والمسيحيون في العراق؛ وكل هذه الطوائف في سورية، بالإضافة إلى العلويين والدروز.
قدم مبعوثا الرئيس وودرو ويلسون، هينري كينغ وتشارلز كرين، استنتاجاتهما في آب (أغسطس) 1919. وفي أوروبا في ذلك الحين، كان تفكك الإمبراطوريات النمساوية-الهنغارية والروسية يفضي إلى ولادة دول قومية جديدة على أساس العرق. لكن مسؤولي الولايات المتحدة كانت لهما أفكار مختلفة؛ حيث نصحا ويلسون بتجاهل الفروقات العرقية والدينية في الشرق الأوسط.
اقترح المبعوثان أن ما يشكله عراق اليوم يجب أن يبقى موحداً لأن "حكمة وجود بلد موحد لا تحتاج إلى إثبات في حالة بلاد ما بين الرافدين". كما تحدثا أيضاً لصالح "سورية الكبرى" -المنطقة التي كانت ستضم لبنان والأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية اليوم.
وقال كينغ وكرين إن نهاية الحكم العثماني "توفر فرصة كبيرة -يرجح أنها لن تتكرر- لبناء... "دولة الشرق الأدنى" على الأسس الحديثة للحرية الدينية الكاملة، والتي تضم، عن عمد، أتباع العقائد الدينية المختلفة، وخاصة صيانة حقوق الأقليات". وأضافا أن السكان المحليين "يجب أن يكون حالهم أفضل بكثير في ظل دولة قائمة على الأسس الحديثة" مما كان عليه في ظل الحكم العثماني.
لكن آمال الأميركيين لم يُكتب لها التوفيق.
في سورية، خطبت السلطات الاستعمارية الفرنسية -في مواجهة أغلبية سنية معادية- ودّ العلويين، مجتمع الأقلية الذي يشكل فرعاً من المذهب الإسلامي الشيعي، والذي كان قد عانى من التمييز في ظل الحكم العثماني. بل إن الفرنسيين خلقوا لفترة وجيزة دولة علوية منفصلة في ما يشكل الآن ساحل سورية على البحر المتوسط، وقاموا بتجنيد العلويين بكثافة في القوات المسلحة الجديدة.
وفي العراق، حيث يشكل الشيعة أغلبية السكان، مارست السلطات البريطانية -التي واجهت ثورة شيعية بعد بدء احتلالها مباشرة- لعبة مشابهة. واعتمدت الإدارة الجديدة بشكل غير متناسب على الأقلية العربية السنية التي كانت قد ازدهرت في ظل العثمانيين، والتي التفت الآن حول ملك العراق السني الجديد الذي أحضره البريطانيون من الحجاز المستقلة حديثاً، التي كانت محافظة عثمانية قديماً وأصبحت جزءاً من السعودية منذ ذلك الحين.
ساعدت تلك القرارات في تشكيل مستقبل العراق وسورية بمجرد أن انتهى النظام الاستعماري. فحكمت عائلة الأسد سورية منذ العام 1970؛ وأصبح صدام حسين رئيساً للعراق منذ العام 1979. وعلى الرغم من شعاراتهما الرنانة عن أمة عربية واحدة، حول كلا النظامين بلديهما إلى أماكن تتمتع فيها مجتمعات الأقلية الحاكمة (العلويون في سورية والعرب السنة في العراق) بامتيازات أكثر من الآخرين.
طوال هذه الفترة، تم قمع المحاولات التي بذلتها الأغلبية السنية في سورية أو الأغلبية الشيعية في العراق لتحدي هذه الترتيبات بالغة الاستبدادية من دون رحمة. وفي العام 1982، هدم النظام السوري مدينة حماة ذات الأغلبية السنية بعد ثورة إسلامية قامت هناك، وأطلق صدام غضبه لسحق انتفاضة شيعية قامت في جنوب العراق بعد حرب الخليج في العام 1991.
في سورية اليوم، يدعم الكثير من العلويين الرئيس بشار الأسد ضد الثوار السنة في أغلبهم، بسبب الخوف من أن يفضي انهيار النظام إلى محو مجتمعهم بالكامل -وهو تهديد عززته "الدولة الإسلامية"، التي يعرض متطرفوها السنة على العلويين والشيعة بشكل عام خياراً حاداً بين التحول إلى المذهب السني أو الموت.
وفي العراق، قامت الحكومات التي يهيمن عليها الشيعة، والتي حكمت منذ الغزو الأميركي في العام 2003، بقلب الطاولة على حكام البلد السابقين عن طريق ممارسة التمييز ضد الأقلية السنية. ونتيجة لذلك، تمكنت "الدولة الإسلامية" من الاستيلاء على أجزاء من العراق في العام الماضي من دون معارضة إلى حد كبير، لأن السكان المحليين كانوا ينظرون إلى المجموعة في كثير من الأحيان على أنها أهون الشرين.
يقول والي نصر، عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز والمستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية: "ليست الحدود الإقليمية وحدها هي التي تصنع المشكلة -إنها خريطة الحكم التي كانت أوروبا قد اختلقتها. لقد خلقت القوى الاستعمارية في داخل الدول إدارات كولونيالية قامت بتعليم وتجنيد وتمكين الأقليات. وعندما غادرت تلك الإدارات، وضعت السلطة في يد هذه الأقليات -تركت خلفها دكتاتورية الأقليات".
وأضاف الدكتور نصر: "كانت السلطة دائماً بعيدة عن التوافق في العراق وسورية والعديد من هذا البلدان، ولم تكن هناك صيغة مناسبة لتصويب ذلك الوضع. الفائزون لا يريدون المشاركة، والخاسرون لا يريدون التخلي عن السلطة. إن الشرق الأوسط يمر الآن بفترة من الاضطراب الكبير، والتي سينتهي بعدها إلى تكوين سياسي مختلف جداً، وربما إلى تكوين إقليمي مختلف أيضاً".
ولكن، كم من الشهية توجد في الشرق الأوسط لتغيير هذه التكوينات الإقليمية؟ وإذا ما تغيرت فعلاً، فكيف يمكن أن تبدو الخريطة الجديدة للمنطقة؟
أحد الاحتمالات الواضحة يتعلق بالأكراد الذين كانت رغبتهم بالحصول على دولة مستقلة فيما يشكل الآن شرق تركيا وشمال العراق قد حظيت ذات مرة بإقرار معاهدة سيفر التي لم تدم طويلاً، وهي المعاهدة التي أُبرمت في العام 1920 بين الحلفاء الغربيين والعثمانيين. وسُرعان ما قوبلت تلك المعاهدة بالإنكار الفوري من جهة القوميين الأتراك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة. وحتى وقت قريب في حقيقة الأمر، كانت تركيا تنكر وجود عرق كردي مستقل من الأساس.
الآن، اختبر الأكراد، الذين يعيشون متناثرين عبر العراق وتركيا وسورية وإيران، مسبقاً عقوداً من الاستقلال الفعلي في ظل حكومة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال العراق -الجزء الجبلي مما كان ذات مرة محافظة الموصل العراقية. كما أسسوا الآن ثلاثة "كانتونات" للحكم الذاتي في شمال سورية.
يقول كريم سجادبور، محلل الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي: "سوف أتفاجأ إذا لم يكن هناك، في غضون 20 عاماً، بلد يدعى كردستان. إنه موجود فعلاً، بحكم الأمر الواقع".
بلغتهم وثقافتهم المنفصلين، يسيطر الأكراد في العراق الآن فعلياً على حدودهم وأمنهم، ويحدُّون من دخول العراقيين العرب إلى مناطقهم. وعندما اندلعت الحرب الأهلية في سورية، تبنت الميليشيات الكردية مشروعاً وطنياً مختلفاً إلى حد كبير. ويقول مسؤول من الميليشيات الكردية العلمانية التي تحارب "الدولة الإسلامية" بالقرب من مدينة كوباني، التي تشكل أحد "الكانتونات" الكردية الثلاثة في سورية: "الثوار الآخرون يقاتلون من أجل سورية، لكن لدينا نحن كردستان الخاصة بنا، وهذا هو ما نهتم لشأنه".
ومع ذلك، وفيما عدا كردستان، فإن قضية نشوء دول منفصلة جديدة في الشرق الأوسط تصبح أقل وضوحاً، على الرغم من الأهوال العرقية والطائفية التي تعذِّب المنطقة في هذه الأيام.
أولاً، مهما كانت مصطنعة ومختلقة في الأصل، أثبتت دول ما بعد العثمانيين مقاومتها بطريقة مدهشة. ولننظر مثلاً إلى لبنان، البلد المكون من نحو 18 من الطوائف الدينية المتناحرة، الذي نجا من حرب أهلية دموية كثيرة الأطراف في الأعوام ما بين 1975 و1990، وتحدى التنبؤات بزواله الوشيك مراراً وتكراراً. وعلى الرغم من -أو ربما بسبب- ذلك التاريخ المليء بالصراع، ما يزال لبنان واحة للاستقرار النسبي وسط الاضطراب الإقليمي الراهن، حتى مع تعرضه لطوفان أكثر من مليون لاجئ سوري هاربين من الفوضى في الجوار.
يقول ميشيل دون، مسؤول وزارة الخارجية الأميركية السابق الذي يعمل الآن خبيراً لشؤون الشرق الأوسط في معهد كارنيغي: "كان حكام هذه البلدان التي تم تشكيلها على أساس حدود مصطنعة بالتأكيد، قد وضعوا الكثير من الجهد في بناء نوع من الحس القومي. والسؤال هو: كم من الوقت استغرق ذلك؟ ربما لا يكون ذلك الشعور (القومي) قوياً مثلما هو في بلد كان لديه شعور بذاته على مدى قرون، لكنه ربما يكون موجوداً مع ذلك".
في واقع الأمر، ما تزال المشاعر القومية حية إلى حد كبير -حتى في العراق وسورية اللتين أنهكما ومزقهما الصراع. ويقول إياد علاوي، نائب الرئيس العراقي ورئيس الوزراء السابق: "لو أن أي بلد مر بما مر به العراق على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، لكان أوصاله قد تقطعت الآن. كانت إرادة الشعب هي التي أبقت البلد سائراً".
وفي سورية، يتذكر الطالب محمد علي (19 عاماً) طريقة رد فعل السكان المحليين على قدوم "الدولة الإسلامية" في بلدته "البوكمال" بالقرب من الحدود العراقية. وكجزء من حملتهم لمحو الحدود الاستعمارية، قام الحكام الجدد بفصل البوكمال عن المحافظة السورية التي كانت تنتمي إليها وضموها إلى "محافظة الفرات" الجديدة التي أقامتها "الدولة الإسلامية"، والتي تُحكم من مدينة القائم العراقية.
في البداية، كما قال محمد علي، شعر الناس بالإثارة لدى رؤيتهم تدمير الحدود المجاورة. وقال: "على مدى 30 عاماً، لم نكن نستطيع عبور الحدود وزيارة أقاربنا على الجانب الآخر". لكن المزاج تغير منذ ذلك الحين، ليتحول إلى رد فعل وطني وسط الاستياء من العراقيين الذين غمروا المنطقة، وتسيدوا على البوكمال وشحنوا النفط السوري "المسروق" عبر الحدود. ويضيف علي: "إننا لا نريدهم هنا؛ الآن نريد استعادة الحدود".
وهناك مجموعة أخرى من القضايا التي تقف أيضاً في طريق التقسيمات الجديدة المحتملة في المنطقة: أين بالضبط سيتم رسم الخطوط الجديدة؟ وبأي كلفة؟
على الرغم من عمليات التطهير العرقي التي جرت في السنوات الأخيرة، ما يزال السنة والشيعة يعيشون معاً في الكثير من أجزاء العراق، بما فيها بغداد. وسوف يظل عدد كبير من السنة السوريين يفضلون العيش في المدن التي يسيطر عليها نظام الأسد على العيش في المناطق التي دمرتها الحرب تحت سيطرة الثوار.
ويشير السيد علاوي، نائب الرئيس العراقي، إلى أن الكثير من مجموعات البلد القبَلية التقليدية تضم شيعة وسنة على حد سواء -وأن العديد من الأسر العراقية، خاصة في المدن الكبرى، مختلطة أيضاً. ويقول السيد علاوي مازحاً: "يجب أن تمر بغرف نوم الناس حتى تقسم البلد". وفي العراق والأماكن الأخرى، يشكل السنة والشيعة والأكراد بالكاد مجموعات موحدة يحركها الإجماع؛ والخصومات وفيرة في داخلها أيضاً.
ولا يوفر التقسيم الوحيد مؤخراً لبلد عربي -قسمة السودان إلى شمال عربي، وجمهورية جنوب السودان الجديدة غير العربية إلى حد كبير في العام 2011- سابقة مشجعة لراسمي الحدود الجديدة المحتملين. فسرعان ما انزلق السودان الجنوبي في أتون حربه الأهلية الخاصة التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت نحو مليونين من ديارهم.
يقول فواز جرجس، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد: "ليس هناك بديل يحل محل نظام الدولة. على العكس من ذلك، ربما تستبدل حرباً أهلية واحدة بالعديد من الحروب الأهلية، وهذا بالضبط ما يمكن أن يحدث في سورية والعراق. إنها حلقة كارثية".
على هذه الخلفية، سوف تكون صياغة عقد اجتماعي جديد من الأسفل إلى أعلى في داخل الحدود الموجودة في المنطقة -وهو ما يُرجح أن يحدث فقط بعد أن يتعب السكان من الحروب التي لا تنتهي- هي السبيل الوحيد للمضي قدماً، كما يقول ستيفن هاردلي، الذي شغل منصب مستشار الرئيس جورج دبليو بوش للأمن القومي، ويترأس الآن مجلس إدارة المعهد الأميركي للسلام.
ويقول السيد هاردلي إن المشكلات في الشرق الأوسط "ليست انهياراً للحدود، وإنما انهيار لما كان يحدث في داخل هذه الحدود: للحكومات التي لم يكن لها الكثير من الشرعية بداية، ولم تكسب الشرعية من شعوبها بعد ذلك. إنك لن تحل هذه المشكلات من خلال إعادة رسم الحدود".
ولن يكون إيجاد حل لهذه المشكلات سهلاً، كما يعترف السيد هاردلي الذي يضيف: "ربما يكون ما يحدث الآن خلاصا من الماضي. وسوف يتطلب الخروج من هذا الوضع عمل جيل كامل".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:Would New Borders Mean Less Conflict in the Middle East?

*يكتب عموداً أسبوعياً لصحيفة "وول ستريت جورنال" تحت عنوان "مفترق طرق في الشرق الأوسط"، عن المنطقة الممتدة من غرب أفريقيا إلى باكستان. انضم إلى الصحيفة في العام 1999، وعمل سابقاً مراسلاً من روما والشرق الأوسط، ومراسلاً لآسيا من سنغافورة، ومديراً لمكتب أفغانستان وباكستان. وهو مؤلف لكتابين: "الإيمان في الحرب" (2005)؛ و"حصار مكة" (2007).

التعليق