زليخة أبوريشة

غريزة المصلحة المشتركة: تجربة ناجحة من بوغوتا

تم نشره في الاثنين 25 نيسان / أبريل 2016. 11:06 مـساءً

"في بداية التسعينيات، كانت بوغوتا (كولومبيا) في أزمة، حيث كانت الجريمة والفساد والفقر متوطنةً فيها، كما أن الثقة في الحكومة قد ضعفت فأصبحت الحياة حرباً من الجميع ضد الجميع. هكذا كان الوضع حين انتُخِب لمنصب العمدة بروفسور الفلسفة أنتاناس موكس (Antanas Mockus) –الذي لم يكن سياسياً تقليدياً بالمرة، فطرائقه غير مألوفة، فقد قاد حملته ببذلة بطل خارق، ولديه رغبة غير عادية في التغيير الجذري.
وفي فترتيه كعمدة (1995-1997 و2001-2003) أي خلال 4 سنوات غير متتاليات فقط، حقق موكس تغييرات كبيرة في بوغوتا. وأنشأ حملات مدنية تطلبت مشاركة تطوعية واسعة من الشعب، وانخفضت الجريمة بنسبة 70 %، كما زاد عدد المنازل التي تستعمل مياه الشرب من 79 % إلى 100 %.
ولكن لم يكن هناك فعلٌ أجرأ ولا أكثر فاعلية من برنامج العمدة لسلامة المرور، الذي جعل نسبة الحوادث تنخفض بأكثر من 50 %. فبعد عرضه المشروع على طلبة المسرح في الجامعة، سرَّح موكس 3200 من شرطة المرور المعروفين بفسادهم ثم عرض عليهم إعادة تدريبهم وتعيينهم -كممثلي إيماء. ولم يقبل بذلك سوى 400 استبدلوا طلاء الوجه والقفازات البيضاء بأصفادهم وهراوات حراسهم.
وفي كل يوم، كان الإيمائيون يجوبون الطرق وينتهزون الفرص لتجسيد معاناة ومتاعب السائقين والمارة. صابين سخريتهم على السيارات التي تتوقف فوق ممرات المشاة، متحركين كأنهم يعيدون طلاء الممر لتعزيز وجوده. كما ساعدوا كبار السن في عبور الطريق، وتظاهروا بأنهم السيارات التي تحجب التقاطعات. وبالإضافة إلى ذلك، وزع موكس 35000 بطاقة على بعضها صورة الإبهام إلى أعلى وعلى بعضها الآخر الإبهام إلى أسفل، من تلك التي قد يستخدمها المواطنون للتعبير عن رضاهم أو رفضهم السلوك المروري  للآخرين. وفي أول الأمر، بدت هذه الطريقة أسخف من أن تجعل المرور آمناً، حيث هزأت الصحافة من موكس لتبنيها. ولكن تدريجياً، وبالسخرية من السائقين والمشاة الذين لم يتبعوا أبسط قواعد المرور مع الإشادة بمن فعل، استطاع الإيمائيون تغيير الثقافة المرورية للمدينة، وسرّبوا الحسّ السليم في شوارع بوغوتا -أو بالأحرى غريزة المصلحة المشتركة.
وتحت ولاية موكس، أصبح بناءُ البيئة الحضرية، الأمر الذي كان مقصوراً على المهندسين والمعماريين والمتعهدين وأمثالهم، مسؤوليةَ جميع سكان الحضر. وجعلت برامجه لبوغوتا من كل مواطن ومواطنة مشاركَيْن سياسييْن في بناء المدينة، سواء أكان أداؤهما جيداً أم رديئاً.
ويقول رايموند فيسمان (أستاذ الاقتصاد الأميركي الشهير) بأن "عبقرية العمدة تكمن في إدراكه أن إضافة المزيد من القوانين أو رجال القانون المدججين بالسلاح لن يُجدي في ظل ثقافة كسر القانون". أو كما قال موكس نفسه: "المعرفة تجعل الناس أفضل حالاً. وإذا قُدِّمت القوانين إليهم بالفن والفكاهة والابتكار فإنهم غالباً سيتقبلون التغيير". وبالفعل أثبت موكس بأن الابتكار والفكاهة ينجحان حين تفشل العقوبات القانونية.
لقد نجح برنامج موكس في تغيير سلوك مئات الآلاف بفضل تشجيعهم على محاسبة بعضهم، متحدياً ثقافة الإفلات من العقاب، مؤسساً لثقافة المصلحة المشتركة في بيئة حضرية. وبدلاً من استخدام وسائل التغيير من أعلى إلى أسفل المألوفة، أسس موكس لبرنامج يتطلب المشاركة الإيجابية من المجتمع. وعندما أدرك المواطنون أنهم يستطيعون تغيير مجتمعهم إلى الأفضل، تولّد لديهم إحساس بالفخر وبأن ملكيتهم مشتركة". (منقول حرفياً عن مشروع "Beautiful Rising" لتدريب النشطاء).
عندي أمل صغير في أن يأتي مسؤول "مفتّح" وحرّ الروح يجترحُ عبقريّة في بناء السلوك المجتمعي الذي انحطّ... لديّ أمل صغير فحسب...!

التعليق