السلّم.. على الجانب الآخر من السور

تم نشره في الأربعاء 27 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً

د. محمد غاني*

هو عنوان اقتبسته من تعبير جميل أعجبني وأبهرني للكاتب الكويتي ساجد العبدلي، في كتابه المسموع الرائق "القراءة الذكية: تعلم مهارات القراءة السريعة.. كيف تقرأ كتابا في دقائق". وهو يشبه فيه من يدعو الناس لفضل القراءة بتأليف كتاب، كمن ينتهج دعوة الناس الى تسلق سور معين لتجاوزه أو للإطلال على منظر معين، مع جعل السلّم على الجانب الآخر من السور.
نفس الأمر أود التنبيه إليه، حتى نتجاوز كأمة إسلامية وهم التخلف إلى حق التقدم. إذ يجب علينا عدم التغافل عن أن أول سلم ينبغي تسلقه هو سلم التدبر والتفكر في مواضع قدم الأمة اليوم، لنستطيع تحديد إحداثياتها ضمن مراتب الأمم. آنئذ فقط، يمكن أن نتقدم في الطريق، ويمكن أن نواصل تسلق سلّم الترقي الحضاري. لكن في أول الأمر، لا بد مما ليس منه بد؛ أن نجلب السلم؛ سلم التدبر.. سلم القراءة.. سلم التفكر، من الجانب الآخر من سور النفس الأمارة بالسوء، إلى هذا الجانب الذي أمامنا؛ جانب الفكر والعقل، حتى نتمكن من أن نضع القدم اليمنى للأمة على أول درج من درجات سلم الترقي الحضاري.
أُمر المسلم في تنبيه قرآني مدهش بديع، إلى التقدم في سلم العلم، بقول الإله العليم: "... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا" (طه، الآية 114)، لتذكير الغافل بحقيقة مسألة الزيادة في اغتراف نور العلم وتوسيع ضياء بصيرة الفهم وبحبحة مدارك الفطانة والحصافة.
لا شك أن سلم الترقي درجات عدة، ومراتب متعددة، وقربات مختلفة. وما تقرب العبد الجهول إلى قدسية الإله العليم شبرا، إلا وتقرب إليه سبحانه ذراعا؛ وما تقرب إليه ذراعا إلا وتقرب إليه تعالى باعا. أما إن أتاه يمشي، فسيأتيه الله حتما هرولة.
إن نتائج ترقي سلم القراءة والتدبر والتفكر في كتاب الكون، كما في كتب القوم، سوف تأتي سريعا إليك أيها القارئ الحصيف، لا لشيء سوى أنها سنة سنها الإله الحكيم من سنن هذا الكون البهيج، ونبه إليها من شاء من عباده ليبهج له حياته.
لا غرو أن من نتائج القراءة، الذكية طبعا، انفتاح مغاليق الفهم، وتجاوز ظلمات الوهم، بفضل الاستضاءة بالمشكاة الإلهية؛ مشكاة مداد الحق، فيها مصباح العلم والمعرفة. وذاك من مقاصد الرب من الخلق، ومن مرامي معنى الزيادة في العلم. فما عليك إلا مضاعفة سرعة التقرب إلى قدسية علم الإله بالتقدم شبرا فذراعا، فباعا في درب العلم؛ ثم الانتقال إلى المشي والهرولة العلمية. آنذاك فقط يمكن أن يعادي بعضنا بعضا بعدوى القراءة والشغف الفكري، ومن ثم يمكن أن نرفع شيئا فشيئا من مستوى استيعابنا لمكان الأمة بين الأمم، واسترجاع أيام الحصافة الحضارية ووسطية الأمة التي وصفت بها في التعبير القرآني البليغ فلم تقدرها حق قدرها، ففقدتها فقدا. لكن يبقى الأمل موجودا بنص الإله "... وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..." (آل عمران، الآية 140).

*باحث مغربي في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا

التعليق