حنان كامل الشيخ

"سيلفي" مع حلب !

تم نشره في الثلاثاء 3 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

ما أتعس أن تأتي الأشياء في غير وقتها! فمجزرة مكتنزة سمينة ثقيلة كالتي تحدث في حلب مثلا، كان الأجدر بصناعها أن ينتظروا قليلا لحين يكون الواحد فينا، على استعداد أكثر للمؤازة والتعاطف. الصحيح أنهم لم يختاروا الوقت المناسب تماما، خصوصا وأننا نحتفي بالربيع الجميل وأيام العطل الفضفاضة، والطقس الذي لا يجب أن يفوت هكذا بدون أن نختبر سعادتنا وشقاوتنا فيه. ثم لماذا لا ينسق صناع الموت الجدد مواعيدهم مع أحداث مهمة تدور على الأرض، كتصفيات الدوري الاسباني والأوروبي مثلا؟ أوبعد انتهاء الجزء الثاني من "حريم السلطان"، أوعلى الأقل حين نفرغ من تفريز الفول الأخضر وورق العنب؟ لماذا يصرون على وضعنا في موقف محرج أمام الموتى المنتظرين في طابور نصف الحياة، لنظهر أمامهم وكأننا لا نشعر معهم؟ بصراحة الوقت ضيق والأيام محتشدة ببواكير أفراح الصيف التي لا يمكن تأجيلها، نظرا لارتباطاتنا المهنية والأسرية. لذلك كان الأجدى والأوقع حقيقة هو اختيار وقت ملائم نوعيا، حتى نحزن ونتألم ونبكي بطريقة تليق بحجم الحدث، أقصد حدث تعاطفنا مع المجزرة بالطبع، ذلك أن الإعلام الجديد أثبت بما لا يدع مجالا للنقاش، بأن ما وراء الحدث وما بعد الحدث، الذي يعني نحن بالضرورة، أهم ألف مرة من الحدث نفسه!
ثم إن تضارب الأنباء والصور القادمة من حلب، يشوش خططنا المتخيلة لآلية التأييد والمشاركة؛ فوتوشوب وفيديوهات قديمة وتواريخ مسجلة قبل أعوام، تتبعها تكذيبات وأيمانات مغلظة أن كل البضاعة طازجة ومن الفرن مباشرة، حتى كدنا نفقد تعليقاتنا المرهفة الحساسة، أمام هذا التصارع العنيف على مواقع التواصل. لكن فراستنا وفطرتنا كعادتها تضع حدا للشك، دافعة يقيننا للتدخل السريع والتصرف بما يتناسب مع الوضع، تماما كما هي ردود أفعالنا الشجاعة السريعة تجاه الكوارث المشابهة، والتي توقف المأساة حتى قبل وقوعها في غالبية الأحداث. وليس أدل على ذلك بالنسبة لمجزرة حلب أكثر من القمة "الطارئة" بخصوص الأحداث في المدينة المنكوبة، غدا الأربعاء، أي بعد أسبوعين تقريبا على حدوثها، وأظن أن لا أسرع ولا أمضى من هذا التدخل في التاريخ القديم والحديث!
ليس هذا فقط، بل علينا أن نعترف بأن تفصيلات تافهة صغيرة جدا، تأخد من أوقات تعاطفنا وتضيع جهودنا العظيمة في الاستنكار والمؤازرة، مثل التوقف عند تأييد كتاب وصحفيين وقادة رأي "محترمين"  للرئيس بل و"الزعيم حسب تسمياتهم" بشار الأسد على موقفه الصارم، في معركة حلب (على سبيل المثال). أو بيانات التوضيح والشرح لبعض الصامتين طوعا أمام صور التراب الذي يملأ الشاشات، وصوت البقاء الخفيض من تحت أنقاض البنايات، بحجة الصبر والانتظار، لما بعد انقضاء المهمة، حتى يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. مالنا نحن وهؤلاء إن كانوا لم يحسموا أمرهم لأسباب سياسية أوفكرية أوتمويلية؟ أليس الأجدر بنا أن نفعل ما علينا، ونحارب بالأحمر والأسود في ميادين المعركة المفتوحة كلها؛ تويتر، فيس بوك، يوتيوب؟ فعلى الأقل وفي وقت الهدنة أو "بريك الغداء"، حين يتسنى لسكان المدينة فتح صفحات التواصل الخاصة بهم للتسلية والترويح عن النفس، يفرحون بانتفاضتنا الحمراء معهم، ويضغطون بسعادة على زر الإعجاب، لنفرح نحن أيضا، وتعيش الأمة العربية كلها بفرح وغبطة!
أزعجتكم كثيرا صورة "السيلفي" لمراسلة التلفزيون السوري مع الجثث؟ لتكن في معلوماتكم إذن أن ثوراتنا ومسيراتنا واحتجاجاتنا الإلكترونية في الواقع الافتراضي، وإن سماها البعض أضعف الإيمان، ليست أكثر من صورة "سيلفي" مع مدينة تموت وحيدة في الواقع الحقيقي.

التعليق