"فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا"

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

    د. محمد خازر المجالي

    يقرر القرآن حقائق مذهلة، تبعث طمأنينة عجيبة عميقة في النفس البشرية في رحلتها هذه إلى الله والدار الآخرة. والعجيب في كثير من توجيهات القرآن أنها بسيطة غير معقدة، كهذه الحقيقة: "...فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا" (الجن، الآية 13)؛ وبعدها: "... فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا" (الجن، الآية 14). وفيما يخص الأمة وحيرتها ووضعها المتردي، نتذكر على سبيل المثال: "... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..." (محمد، الآية 7). وفي مسألة الرزق مثلا: "وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا" (الجن، الآية 16)، وهكذا.
    والعنوان آية من سورة الجن، حيث يقص الله علينا بعض أقوال مؤمنيهم عندما استمعوا القرآن. وكثير من الحقائق التي وردت على ألسنتهم إنما هي توجيهات عامة للجن والإنس. إذ بعد الاستماع للقرآن، تجلت حقيقة التوحيد؛ حيث عبادته تعالى وحده لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولدا، وأن أهل الشطط قد تقوّلوا على الله، وعبدوا بعضهم وظنوا فيهم النفع والضر. ورسمت السورة بعض العلاقة التي ينبغي أن تكون مع الله إيمانا وتسليما، وبينت خطأ العلاقة التي تكون أحيانا بين الجن والإنس، وجاءت هذه الآية من ضمن مقولاتهم: "وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا" (الآيات 13-16).
    ويهمني هنا أمران، أولهما أنه تعالى ذكر عند الحديث عن الإيمان: "فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا"، وعند الحديث عن الإسلام ذكر: "فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا". وهذا سياق اجتمع فيه الإيمان والإسلام. فلكل معناه الأصلي، إذ الإيمان اعتقاد، والإسلام استسلام وخضوع، ولو تفرقا لكان الإيمان والإسلام بمعنى واحد. فيحدثنا الله تعالى على ألسنة هؤلاء أن من مقولاتهم لما استمعوا القرآن، وهو الهدى الكامل، فالأصل أن يقودهم إلى إيمان راسخ ينجيهم من عذاب الله وسخطه، وهنا الطمأنينة في الآخرة، فلا بخس ولا ظلم ولا غبن في الأجر، ولا رهق ولا إهانة، وحين ينفى هذا فالحقيقة هي التكريم الكامل، والعطاء العظيم.
    وأما الأمر الثاني فمتعلق بالإسلام، فمن أسلم فقد تحرى الرشد، والرشد مرحلة عمرية فيها النضج والحكمة والاستقرار، وهي أعلى من مرحلة البلوغ الذي معه التكليف، وعكسها السفه الدال على الخفة والطيش. ولذلك، فالإسلام الحقيقي الذي يكون معه الخضوع لله تعالى هو عين الرشد، حين يسلم أحدنا أمره لله تعالى ويسير وفق هديه الذي هو حق كله. وذكر الله هنا القاسطين في مقابل المسلمين، وهم الجائرون الظالمون، يقال: "قسط" أي جار، و"أقسط" أي عدل، وبين مصيرهم الرهيب حين يكونون حطب جهنم والعياذ بالله، وذلك بسبب أنهم جاروا وظلموا أنفسهم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهم هنا وضعوا العبادة في غير موضعها، فخسروا الدنيا والآخرة.
    وظلال كلمتي "البخس والرهق" في هذه السورة مناسبة لاسمها وموضوعها. فالرهق مذكور في علاقة الإنس بالجن ("وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا" الآية 6). والعلاقة المرتبطة بالنفع والضر هي مع الله تعالى، وهي أمور إيمانية خالصة، تجمع الإيمان بربوبيته تعالى، فهو وحده النافع والهادي والمعطي...، والإيمان بالألوهية حيث القصد والتوجه والعبادة والخوف والرجاء، فلا نوجهه إلا إلى الله تعالى. أما البخس، فمذكور في خوفهم العام حيث الشهب الراصدة لكل من يسترق السمع، والقلق البادي على تصرفاتهم وظنونهم عموما.
    أما الرشد المرتبط بالإسلام، فقد ورد أيضا حين قالوا: "وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" (الجن، الآية 10)، وظلاله واضحة في ضرورة أن يرتقي الإنسان في علاقته بالله تعالى، حينها يقوده هذا الرقي إلى البصيرة والحكمة والفهم، وإن لم يكن الرقي فهو العيش مع سفاسف الأمور وسخفها، وكلها تقود إلى الضلال لا محالة.
    ومن روعة السورة أنها ذكرت وسائل ليرتقي أحدنا في إيمانه وإسلامه، فذكر الله تعالى هنا الاستقامة: "وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا"، وبين أهمية ذكر الله تعالى وخطورة الإعراض عنه: "... وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا" (الجن، الآية 17). وذكر المساجد فقال: "وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا" (الجن، الآية 18)، وهي بيوت الله التي ينبغي أن تخصص لعبادته وحده ولا تكون وسيلة لتعظيم أي أحد سواه، وينبغي احترامها وتحريرها من أهوائنا وخاصةِ مقاصدنا. وذكر الله الدعاء: "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا" (الجن، الآيتان 19 و20)؛ وهنا الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين قام يعبد الله ويدعوه فآذاه قومه واجتمعوا عليه لبدا، أي جماعات، وقيل إن المعنى أن الجن يجتمعون عنده لسماع القرآن، وأيا ما كان فالمقصود العبادة والدعاء.
    ولا بد لنا في حياتنا هذه من التواضع وعدم ادعاء أشياء لا نستطيعها أصلا، فلا هي في تصرفنا ولا ملكنا. ونعجب من بعض الناس حين يدّعون فعل أشياء أو التصرف فيها وهي ليست لهم، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يأمره الله تعالى أن يقول للجن والإنس معا: "قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا" (الجن، الآيتان 21 و22)؛ فلا يملك الضر والنفع إلا الله تعالى، ولو وقع العذاب فلن يكشفه إلا الله، حتى محمد صلى الله عليه وسلم لا يجد دونه ملجأ، فكيف بغيره الذين يدعون أنهم يملكون ويقدرون؟!
    ومرة أخرى يهمني هنا فضيلة الإيمان القائد إلى الطمأنينة، فلا بخس ولا رهق، وفضيلة الإسلام حيث تحري الرشد والرقي فيه، قيمتان رائعتان حري بنا تحريهما في حياتنا.


    التعليق