هل يقضي الموبايل على غرف الأخبار؟

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً

دبلن - على خشبة المؤتمر، وقف الصحفي الأميركي جيف روث ولوّح بهاتفه "الآيفون 6" للحاضرين ونصحهم: "انسَ الكاميرا والميكروفون الضخم وجهاز الإضاءة. هذا كل ما تحتاجه لتقوم بقصة صحفية محترفة وستقوم بها وحدك".
كان ذلك في مؤتمر"mojocon" الذي استضافته العاصمة الإيرلندية دبلن؛ حيث يجتمع في كل عام عدد كبير من الصحفيين قادمين من مناطق مختلفة من العالم. فكرة المؤتمر قائمة على تبادل التجارب والخبرات وأحدث المخترعات فيما يخص عالم التقنيات الصحفية.
60 متحدثا شاركوا في هذا المؤتمر المهتم بكيفية الإنتاج الصحفي عبر استخدام أجهزة الهواتف الذكية التي تحمل من الإمكانات والتجهيزات ما من شأنه ليس فقط إنتاج مواد صحفية احترافية بل حتى أفلاما كاملة. على مدار يومين تضمن المؤتمر محاضرات عن أفضل الأساليب لاستخدام جهاز الهاتف الذكي في إعداد المادة الصحفية وأكثر تطبيقات التحرير جودة والطرق المناسبة لاختيار الصوت وغيرها من العناوين المثيرة للاهتمام.
"استخدام الموبايل أقل تكلفة وأكثر سرعة ويحمل تقنيات متطورة تختص بالفيديو والصورة والصوت. الصحفي المتحرك المتخفف من الأعباء هو مستقبل الصحافة". هذا ما يؤكده بحماسة جلين مولكيني مؤسس المؤتمر، ويضيف: "طريقة تقديم الأخبار المصورة التي نعرفها اليوم آخذة بالتراجع، وستنهار تدريجيا مثلما حدث للصحف خلال الـ10 سنوات الماضية. الجمهور أيضا تغير كثيرا ولم يعد لديه صبر. يريد أن يشاهد الأحداث بأسرع وقت ممكن وعبر الهواتف الذكية".
يزدهر مجال الصحافة عبر الموبايل عاما بعد آخر، ومن المتوقع أن يتطور أكثر خلال الأعوام المقبلة، خصوصا مع صعود الأجيال الجديدة. ربيبكا استنجروم المختصة باهتمام المستهلكين في شركة "اريكسون" للاتصالات، تؤكد بحسب إحصائية حديثة أجرتها الشركة مؤخرا، أن عدد من يقرأون أو يشاهدون محتوى إعلامياً عبر الهواتف الذكية قفز خلال العامين الماضيين ليصل إلى 69 %، وتؤكد: "إننا نشهد الجيل الأول الذي ترعرع بوجود "يوتيوب". هذا الجيل يريد أن يختار ماذا يشاهد. إضافة إلى أنه جيل يعرف كيف يصور ويحرر وينتج بنفسه. ليس لدي أي شك أن هذا النوع من الصحافة هو ما سيسود خلال السنوات المقبلة".
ثورة الصحافة في الموبايل بدأت في التحقق على أرض الواقع مهددة الطرق التقليدية في العمل. للصحفي الأميركي جيف روث الذي يعمل مديرا للتحرير في محطة "فوكس نيوز" تجربة ناجحة مع صحافة "الموبايل" التي يعد أحد أبرز روادها. بدأ روث صحفيا تلفزيونيا بالمعنى التقليدي لسنوات طويلة قبل أن يواكب التطور التقني الذي غير من طبيعة العمل الصحفي بشكل جذري. في غرف الأخبار التقليدية يجتمع عدد كبير من العاملين ملتفين حول مكاتبهم محملقين في أجهزة الكمبيوتر وبجانبهم الطابعات والأوراق والدباسات، مستغرقين في البحث عن قصة تستحق أن تعرض على الشاشة. يخرج بعد ذلك المحرر مع الفريق الفني لتسجيل القصة الصحفية المطلوبة. يصف روث أسلوب العمل هذا بالممل الذي يجب أن يتغير، ويضيف: "لست بحاجة إلى كل هذا الفريق وفي جيبك هاتفك الذكي. وقت وجهد ضائع يقضيه المحرر في الذهاب من وإلى المحطة والخروج بفريق فني كامل. على المحررين البقاء في أماكنهم وإرسال كل ما يريدون بضغطة زر".
يعرض روث على الشاشة صورة لفريق تلفزيوني كامل مصوب كاميراته والمايك الضخم أمام أحد المسؤولين، ويعلق ساخرا: "بالتأكيد سيشعر الضيف بالخوف ويتردد بالحديث. وفي المقابل لو وضعت أمامه كاميرا "آيفون" سيشعر بالاطمئنان وينطلق بالحديث. تجربتنا أثبتت ذلك".
تجربته سجلت نتائج ملموسة وغيرت من طبيعة غرف الأخبار التقليدية. اعتمدت عليه شبكة "فوكس نيوز" لتأسيس محطة محلية قائمة بشكل أساسي على صحافة الموبايل. تم تجهيز غرفة للأخبار تتسم بالديناميكية العملية تتناسب مع صحافة الموبايل. استديو أنيق خال من المكاتب المتراصة والعاملين الضجرين. الهدف، كما يؤكد روث، هو جعل أكبر عدد من الصحفيين يعملون في الخارج ويقومون بكل المهمات، ويضيف "التصوير، تسجيل الصوت، التحرير كلها بالإمكان إنجازها عبر الهاتف الذكي. القصة ستكون جاهزة خلال وقت قصير وما على المراسل إلا أن يبعثها وتقوم المحطة ببثها".
بهذه الطريقة نجح بخلق بيئة صحفية حديثة مستفيدا من التطور التقني السريع للهواتف الذكية. صحفيو المحطة أصبحوا أسرع وأكثر إنتاجا من منافسيهم بمحطات أخرى، وبسبب أنهم لا يذهبون للمحطة فقد باتوا أكثر التصاقا ومعرفة بالمجتمعات التي يقومون بتغطية أخبارها.

هل كاميرات الهواتف الذكية بجودة الكاميرات التلفزيونية المتطورة؟
عن هذا السؤال يجيب روث مرددا حكمة قديمة تقول: "لا تدع البحث العمل المثالي يقف بوجه العمل الجيد جدا. نعيش اليوم في بيئة سريعة وتحتاج لمواكبة سريعة. هناك العديد من التطبيقات التي تحمل كاميرات متطورة وأدوات للتحرير أكثر تفوقا من الموجود في أشهر المحطات. حتى لو نسيت القاعدة الصغيرة لتثبيت الهاتف لمنعه من الاهتزاز يمكن أن تستخدم يدك الأخرى كدعامة. الأهم أن تصور دائما بطريقة أفقية حتى يتسنى عرض ما سجلته على الشاشة".
الصحفي المتحرك والمتحرر من كل الحمولة الثقيلة هو التطور المقبل لصحفي اليوم. يحتاج لهاتفه الذكي والسماعات التي يمكن أن تستخدم كمايك. الأحداث سريعة وتقع بشكل غير متوقع. ولكن بإمكانه إضافة أدوات أخرى بسيطة ليحضر عمله بصورة أفضل. قاعدة يثبت عليها هاتفه وميكروفون صغيرا يلصقه به وجهاز إضاءة صغيرا، وكلها يمكن الحصول عليها بمبالغ زهيدة. المجلة الألمانية "دير شبيغل" خصصت في موقعها الإلكتروني قسما مختصا بصحافة الموبايل أصبح من أكثر أقسام المجلة العريقة زيارة خلال الفترة الماضية، خصوصا مع تصاعد أزمة المهاجرين السوريين القادمين إلى ألمانيا. ساندرا سبيربر إحدى صحفيات المجلة الألمانية التي غطت توافد المهاجرين مستخدمة هاتفها الذكي، تقول عن تجربتها: "قمت بتغطية تصوير اللقطات الحية لوصول المهاجرين إلى ألمانيا. هذه المشاهد نقوم بإجراء تحرير سريع عليها عبر هاتفي وبعد ذلك نبثها على موقعنا. التجربة أثبتت أن هذا ما يريده المشاهد. تغطية سريعة من قلب الحدث. المهم فقط أن تحمل بطاريات إضافية حتى لا يغلق الهاتف أثناء التصوير". - (العربية نت)

التعليق