الصدر: من محاربة القوات الأميركية إلى محاربة النظام السياسي في العراق

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً
  • رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يتحدث خلال مؤتمر صحفي في مدينة النجف الشيعية - (أرشيفية)

لوفداي موريس –
 (الواشنطن بوست) 6/5/2016

ترجمة:علاء الدين أبو زينة

بغداد، العراق- عندما دعا مقتدى الصدر أتباعه إلى القتال ضد وجود القوات الأميركية في العراق بعد غزو العام 2003، تعهد مقاتلوه بإحداث تأثير مدمر. وشن رجال ميليشياته الآلاف من الهجمات على الجنود الأميركيين، وقتلت عبواتهم الناسفة سيئة السمعة المزروعة على جوانب الطريق وشوهت الكثيرين.
والآن، حول الصدر عينيه إلى ردهات السلطة الفاسدة في العراق، وتسبب اقتحام أتباعه الكبير للمنطقة الخضراء المحصنة في بغداد في الأسبوع الماضي بهز النظام السياسي في البلد. وزاد بشكل كبير حجم الضغط على رئيس الوزراء حيدر العبادي لتنفيذ الإصلاحات التي كان قد وعد بها سابقاً، لكنه تسبب أيضا في رد فعل عنيف ضد رجل الدين المثير للمشاكل؛ حيث يتهمه بعض السياسيين باحتجاز البلاد رهينة من أجل الحصول على فدية، وباستخدام دعوته للإصلاح لغرض زيادة نفوذه الشخصي.
كما عمقت هذه الخطوة الانقسامات في داخل المجتمع الشيعي في العراق، وقام رئيس الوزراء بنصب الحواجز الإسمنتية الجديدة على الجسور حول المنطقة الخضراء يوم الجمعة من أجل إعادة تثبيت موقفه بعد الاختراق الذي قوض مصداقيته.
وفي الوقت نفسه، أغضب رجل الدين الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في البلاد، وخلق مستوى جديداً من الشك وعدم القدرة على التنبؤ في بلد يعاني الكثير من الضعف والهشاشة سلفاً.
يقول حيدر الخوئي، محلل الشأن العراقي في مؤسسة تشاتام هاوس البحثية ومقرها لندن: "السؤال الكبير يدور حول احتمال أن تصبح الأمور قبيحة جيداً في البلد، وقد رأينا لمحات من ذلك فعلاً".
مع أن الصدر كان محرضاً ضد الغرب منذ فترة طويلة، فإن لديه أيضاً تاريخا شائكا مع إيران، على الرغم من أنه كان قد تلقى دراسته هناك، ومع أنه أخذ المال منها عند بعض النقاط من أجل تمويل الميليشيات التابعة له.
ويتبنى الصدر برنامجاً قومياً عربياً قوياً، ويقدم نفسه على أنه بطل للجماهير الشيعية الفقيرة المسحوقة، والتي يستمد منها معظم الدعم الذي يتمتع به.
على الرغم من أن العراق يعاني انقساماً عميقاً على أساس خطوط القسمة السنية الشيعية، فإن التوتر القائم في داخل المجتمع الشيعي هو الذي يقود الأزمة الحالية.
وكان أنصار الصدر الذين تجمعوا في المنطقة الخضراء قد رددوا هتافات تطالب إيران بالخروج من العراق، بعد أن قاموا بنهب البرلمان. كما أنهم انقلبوا أيضاً على اللواء قاسم سليماني، الضابط الإيراني الذي قاد الجهود ضد مجموعة "الدولة الإسلامية" في كل من سورية والعراق.
يقول صلاح حسن، وهو مقاتل في الثالثة والثلاثين من العمر ويعمل مع ميليشيا "كتائب السلام" التابعة للصدر: "أميركا وإيران قسمتا كعكة العراق بينهما، وكل منهما تأخذ حصتها الآن. الناس يقولون إن الشيعة موالون لإيران، ولكننا موالون للصدر فقط".
في حين اقتحم أتباع الصدر المنطقة الخضراء، اتخذ أفراد ميليشياته مواقع حول محيط المنطقة. ورداً على ذلك، انتشرت كتائب الخراساني، وهي ميليشيا وكيلة لإيران، وغيرها من الميليشيات الأقرب إلى طهران، بكثافة في شوارع بغداد. كما عمدت ميليشيات أخرى مقربة من إيران إلى سحب مقاتليها وإعادتهم مرة من مناطق الصراع في البلاد. ويقول الخوئي: "ليست من المستحيل أن تقوم (الميليشيات) بتوجيه بنادقها ضد بعضها بعضا".
تقع "كتائب السلام"، وهي إعادة تشكيل لجيش المهدي سيئ السمعة الذي كان قد خاض حرباً ضد جنود الولايات المتحدة في العام 2004، في القلب من سلطة الصدر وأسباب نفوذه. وأعضاء هذه الميليشيات متشددون كانوا قد اصطدموا مع الدولة في الماضي.
في العام 2008، أطلق رئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي، ما تدعى عملية "صولة الفرسان" العسكرية ضد جيش المهدي في مدينة البصرة، في محاولة لانتزاع السيطرة على المدينة من الميليشيات. وفي ذلك الوقت، كانت إيران هي التي توسطت في نهاية المطاف في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ويأمل البعض في أن تتدخل جارة العراق الآن لكبح جماح الصدر مرة أخرى.
ويقول صلاح عبد الرزاق، وهو سياسي شيعي والحاكم السابق لبغداد: "إيران لديها نفس وجهة النظر تجاه أميركا وحول ضرورة أن يكون العراق مستقراً. الاستقرار مهم جداً الآن". وأضاف أنه يجب على إيران أن تلعب دور الوسيط.
بعد يوم من حزم أنصاره حاجياتهم ومغادرة مكان الاعتصام الذي لم يدم طويلاً، ركب الصدر طائرة وغادر إلى إيران. وقال مكتبه إنها كانت رحلة شخصية بهدف زيارة ضريح إيراني، على الرغم من أنها تزامنت مع تدفق الآلاف من الشيعة إلى مزار في بغداد لتقديم تعازيهم في ذكرى وفاة إمام في القرن الثامن، وهي مناسبة حج فوتها الصدر.
وسرعان ما سرت الإشاعات حول الزيارة في العراق، حيث توقع بعض السياسيين أن طهران الغاضبة هي التي استدعت الصدر. وقال عبد الرزاق: "أعتقد أنهم غاضبون، وربما يحملونه المسؤولية عما حدث".
بعد خمسة أيام من مغادرته، لم يكن الصدر قد عاد بعد. وكان قد أعلن قبل رحيله عن اعتكاف روحي لمدة شهرين. وترك أنصاره خلفه ليتحملوا مسؤولية التفسير.
وقال ضياء الأسدي، وهو سياسي من كتلة الصدر السياسية في بيان في الأسبوع الماضي: "يجب أن يطمئن الجميع إلى أنه حتى لو بقي الصدر في إيران لمدة نصف قرن، فإنه لن يتعرض لأي ضغوط أو يقوم بأي شيء ضد مصالح العراق".
لكنه نأى بالصدر عن الهتافات المعادية لإيران في الاحتجاجات، وقال إن رجل الدين ضدها.
كما ظهرت علامات أخرى صغيرة على التوفيق من معسكر الصدر، والتي كان أبرزها يوم الجمعة، عندما أمرت توجيهات من مكتب الصدر بأن تعقد الاحتجاجات محلياً حول المساجد بعد الصلاة، وليس في تجمع جماهيري حاشد في بغداد.
ويعطي هذا التناقض الواضح متنفساً للعبادي الذي يحاول جاهداً توجيه العراق في اتجاه الخروج من الأزمة. وفي المركز من مطالب الصدر، هناك تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة، وهي سياسة ينتهجها العبادي نفسه. ولكن، وعلى الرغم من الشروع في تنفيذ برنامج إصلاح جذري في الصيف الماضي من أجل خفض الهدر الحكومي والفساد، فإن نجاحات العبادي ما تزال محدودة. ومن حيث المبدأ، ينطوي التغيير على الإخلال بالوضع الراهن الذي تستفيد منه النخبة السياسية في العراق حالياً، ويتوقع القليلون من أفراد هذه النخبة أن يتخلوا عنه بسهولة.
كان العبادي يُعد زعيماً ضعيفاً في الأساس، وعملت تصرفات الصدر على المزيد من تقويض سلطته، خاصة مع غضب أعضاء البرلمان من اختراق أنصار الصدر حرمهم الداخلي المحصن.
وبينما يحاول استعادة السيطرة والمصداقية، تعهد العبادي بمنع حدوث أي خرق آخر، وعمد إلى إقالة رئيس أمن المنطقة الخضراء الذي كان قد قبل يد الصدر عندما دخل رجل دين المنطقة في آذار (مارس) الماضي. كما تم تشييد الجدران الجديدة على الجسور التي تعبر نهر دجلة إلى المنطقة الخضراء.
لكن أنصار التيار الصدري هددوا بالتصعيد والدعوة إلى استقالة رئيس الوزراء إذا لم يتم تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة. ومع انقسام البرلمان، سيكون حتى جمع ما يكفي من الأعضاء معاً لعقد جلسة والتصويت فيها تحدياً في حد ذاته. فالأكراد يرفضون الحضور، في حين ترفض مجموعة من البرلمانيين المتمردين الاعتراف بشرعية رئيس البرلمان.
أما إلى متى سينتظر الصدر قبل أن يقوم بتصعيد الضغط، فيبقى أن نرى ذلك في قادم الأيام. ويقول الخوئي: "سوف تحاول إيران أن تكبح جماحه، ولكن مدى نجاحها في ذلك هو شيء لا يستطيع أحد أن يتنبأ به".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
He once fought U.S. troops. Now Moqtada al-Sadr is battling Iraq’s political system.

التعليق