إرث سايكس-بيكو.. كيف تمكن إعادة تجميع اجزاء الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً
  • مقاتلون من البشمرغة الكردية يراقبون خط الجبهة مع "داعش" في شمال العراق - (أرشيفية)

ديفيد إغناتيوس -
(الواشنطن بوست) 3/5/2016
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ساري راش، العراق-  تصادف هذا الشهر ذكرى مرور 100 عام على إبرام اتفاقية سايكس-بيكو التي صنعت العراق وسورية وغيرهما من الدول الهشة في الشرق الأوسط الحديث. وقد وفرت الأسابيع القليلة الماضية أدلة جديدة مثيرة، إذا كان ثمة حاجة إلى المزيد، على أن الإطار الاستعماري القديم الذي وضعته بريطانيا وفرنسا لا يعمل.
العراق وسورية يتمزقان: فالعراق مقسم عملياً إلى ثلاث مناطق متحاربة: منطقة سنية تحكمها مجموعة "الدولة الإسلامية"؛ ودويلة كردية تتمتع بحكم شبه ذاتي؛ ومنطقة في جنوب العاصمة يسيطر عليها النظام الذي يقوده الشيعية. وثمة هيكل ممزق على نحو مماثل في سورية. وقد اختفت الحكومة المركزية في كلا البلدين.
من مقره الجبلي المطل على أربيل، يعرض مستشار الأمن القومي الكردي، مسرور البرزاني، رأياً صريحاً فيما يجري في إحدى المقابلات: "على مدى 100 عام، كان هناك نظام معمول به في العراق، والذي انتهى الآن إلى الفشل. لم يكن العراق قد بُني على الأسس الصحيحة مطلقاً. لقد بني ليخدم مصالح القوى العظمى. تكفي مائة عام من الفشل. يجب أن ننظر في خيارات جديدة".
وثمة شعور مماثل بأن العراق والمنطقة أصبحا يقفان على مفترق طرق، والذي أعرب عنه برهم صالح، رئيس الوزراء السابق في حكومة كردستان الإقليمية ونائب رئيس الوزراء العراقي سابقاً. وكنا قد تحدثنا في السليمانية؛ المدينة الكردية الواقعة على بعد 90 ميلاً إلى الجنوب الشرقي من هنا، حيث يدير الآن الجامعة الأميركية في العراق-السليمانية.
ويقول صالح: "لا يتعلق هذا الأمر بتعديل وزاري. إن النظام السياسي لما بعد 2003 الذي وضعته الولايات المتحدة آخذ في التفكك. هذه حقبة جديدة. والخيار هو بين انهيار فوضوي إلى إقطاعيات يحكمها أمراء الحرب، وربما بين ترتيب دستوري جديد يمكن أن يخلق عراقاً كونفدرالياً أقل مركزية".
وقد سمعت خلال زيارتي للعراق وجهات نظر مشابهة من كل زعيم كردي التقيت به، ومن بعض القادة السنة أيضاً. لقد وصل العراق وسورية إلى نقطة انعطاف، كما يقولون. ومع أن الأولوية الفورية هي هزيمة "داعش"، فإن على الولايات المتحدة أن تكون بصدد الحديث مع حلفائها حول بنية سياسية مستقبلية -حول بديل عن "الخطوط في الرمال" التي رسمها السير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، وما بعد مغامرة الولايات المتحدة الفاشلة في الكولونيالية في العام 2003.
للاسترشاد بمنوذج حول كيف يجب على الولايات المتحدة أن تفكر بشكل خلاق بشأن حل هذه الكارثة، يمكن النظر إلى السياسة الأميركية في العام 1944. وفي ذلك الحين، كان الانتصار في الحرب العالمية الثانية ما يزال على بعد سنة منقوعة بالدم. لكن الرئيس فرانكلين دي. روزفيلت امتلك البصيرة للشروع في التفكير ملياً حول المؤسسات التي يمكن أن تديم السلام والازدهار بعد نهاية الحرب. وبحلول نهاية ذلك العام، كان التخطيط التفصيلي قد بدأ لتأسيس صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي والأمم المتحدة.
ثمة الآن هذا التحدي لبقية فترة ولاية الرئيس أوباما والأشهر الأولى للرئيس التالي في المنصب: ابدأوا في إرساء الأسس لنظام جديد في الشرق الأوسط، والذي يمكن أن يوفر أمناً وحكماً ورفاهاً اقتصادياً أفضل -للسنة والشيعة والأكراد، وللأقليات الأصغر المنضفرة في نسيج المنطقة. ساعدوا شعوب هذه المنطقة المحطمة على بناء وإدامة هياكل الحكم التي يمكن أن تكون عاملة.
ربما يطرح الأكراد السؤال بقوة قريباً، مع إقامة استفتاء يسأل الناس عما إذا كانوا يريدون كردستاناً عراقية مستقلة. ويجب على الولايات المتحدة أن تدعم مثل هذه العملية، وإنما إذا -وفقط إذا- تم إنشاؤها من خلال اتفاق متفاوض عليه مع الحكومة المركزية في بغداد.
 وكان العديد من القادة السنة والشيعة في العراق قد أخبروني في أحاديث خاصة بأنهم يفضلون دستوراً جديداً لعراق كونفيدرالي، والذي يضم حكومة إقليمية سنية، فضلاً عن واحدة كردية. وينبغي أن تكون مفاوضات مماثلة حول سورية فيدرالية أو كونفيدرالية فضفاضة جزءا من التحول السياسي هناك أيضاً.
لن يُكتب النجاح لمحاولة وصل القطع في دول موحدة مركزية في المنطقة. وقد حاولت أميركا وفشلت في العراق. والآن، تجد إيران نفسها غير قادرة أيضاً على إدامة النظام هناك أيضاً. ولعل هذا هو الدرس المستفاد من فوضى الأسابيع الأخيرة التي وقعت في مجلس النواب العراقي الذي يهيمن عليه الشيعي، والتي كانت إلى حد كبير شجاراً شيعياً داخلياً.
ويشرح أحد العراقيين البارزين بالقول: "إن الإيرانيين يرتكبون الأخطاء نفسها التي كانت قد ارتكبتها الولايات المتحدة بعد العام 2003. لقد تدخلوا بشكل كبير جداً. اعتقدوا أنهم يستطيعون أن يفعلوا كل شيء. لكن وحدة الصف الشيعي آخذة في الانهيار".
سوف يكون إصلاح الشرق الأوسط الممزق عمل جيل كامل بالتأكيد. لكن الوقت حان لكي تشرع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والسعودية وإيران في التفكير بشكل عاجل مع شعوب سورية والعراق حول البنى الجديدة التي يمكن أن تتمكن أخيراً من معالجة الأخطاء والمظالم التي وقعت قبل قرن من الزمن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 How to put the Middle East back together

التعليق